قصرة... ساحة مواجهة

زهران معالي

يبدو كل شيء هادئا وطبيعيا عند السير على الطريق من حاجز زعترة العسكري جنوب نابلس باتجاه الأغوار الفلسطينية، لكن سرعان ما يبدأ هذا الانطباع بالاختفاء رويدا رويدا عند مشاهدة أرتال عسكرية ضخمة لجيش الاحتلال على مدخل بلدة قصرة الواقعة منتصف الطريق.

تلك البلدة المحاطة بثلاث مستوطنات "مجدوليم، ياش كودش، احيا"، باتت الحدث الأبرز في الضفة الغربية لوسائل الإعلام المحلية والعالمية منذ الخميس الماضي، حيث تشهد مواجهات متقطعة يوميا بعد إقدام مستوطن على إعدام المواطن محمود زعل عودة (46)، أثناء عمله في أرضه.

وعادة، تشكل منطقة رأس النحل والمدخل الشرقي للبلدة ساحة مواجهة وجها لوجه، يتقابل فيها رصاص الاحتلال ومستوطنيه وقنابل الغاز مع حجارة أصحاب الأرض المنتفضين، والذين ابتدعوا أشكال في النضال كاستخدام "منجنيق قصرة" المشكل من المطاط والحجر.

عبد العظيم الوادي عضو بلدية قصرة تحدث لـ"وفا"، عن تسارع الأحدث في البلدة، قائلا: إن ما تمر به اليوم هو الأسوأ خلال السنوات السبع الماضية، منذ 2010 بدأت البلدية بتوثيق وأرشفة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، إلا أن هذه الهجمة المنظمة سياسيا واستيطانيا من أصعب الأيام التي تمر بها البلدة.

ويضيف إن البلدة لها تاريخ طويل من الاعتداءات المتكررة والمستمرة للاحتلال والمستوطنين، فطوال السنوات الماضية كانت في حالة ترقب لأي اعتداء جديد، وجريمة قتل الشهيد عودة كانت الشرارة لوضع حد لتلك الاعتداءات.

ولم يكن عودة أول ضحايا إرهاب المستوطنين، فقد سبقه ابن شقيقته عصام بدران عام 2011 بعد مواجهة مع المستوطنين في حادثة شبيهة، كما أصيب عدد من المواطنين سواء بالرصاص أو الضرب المبرح، يتابع الوادي.

ويؤكد، "جرائم المستوطنين كثيرة، من حرق مسجد النورين وتكسير واقتلاع أكثر 2728 شجرة زيتون وقتل الأغنام وحرق مركبات المواطنين في البلدة، كل ذلك بدعم من حكومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، قائلا "من حقنا أن ندافع عن أنفسنا".

وتبلغ مساحة أراضي قصرة 27 ألف دونم تقع غالبيتها في المنطقة المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، التي يسيطر عليها الاحتلال بشكل كامل، فيما تبلغ المساحة العمرانية في البلدة تسعة آلاف دونم، إلا أن المخطط الهيكلي يشمل 3331 دونما فقط، وتلقت البلدة أكثر من 104 إخطارات لوقف بناء أو هدم أو إخلاء خلال الخمسة سنوات الماضية.

"الشهيد عودة تم إطلاق النار عليه في مزرعته، كان تلقى أربعة إخطارات من الاحتلال طوال الأعوام الماضية، إلا أنه أوفى لأرضه ويجب أن نكون أوفياء له". يؤكد الوادي.

ويخشى الوادي على حياة الأسر المحاصرة في البلدة من أن ينفذ المستوطنون هجوما دمويا انتقاميا خلال الفترة القادمة.

وأصيب خلال المواجهات في البلدة منذ الخميس الماضي حتى مساء أمس، أكثر من 100 مواطن، بينهم ثلاثة بالرصاص الحي و17 بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط والبقية بالاختناق بالغاز المسيل للدموع، فيما تعرضت سيارة إسعاف للتكسير من قبل المستوطنين، حيث أصيب سائق السيارة بجروح.

واضطرت عدد من الأسر القريبة في مناطق المواجهة خاصة على مدخل البلدة الشرقي، لترحيل عائلاتها لأماكن أكثر أمنا داخل البلدة، لحمايتهم من الاختناق بالقنابل الغازية ورصاص جنود الاحتلال، فيما فتحت جمعية الهلال الأحمر مكتبا وسط البلدة لتلقي المصابين وتقديم الاسعافات الطارئة.

أمام منزله الملاصق للمدخل الشرقي، كان يقف المواطن وليد أيمن يترقب هدوء المواجهات التي استمرت حتى ساعات المساء، قال لـ"وفا"، "اضطررت لترحيل عائلتي المكونة من ثمانية أفراد بينهم أربعة أطفال لبيت جدي وسط البلدة لحمايتهم منذ الخميس الماضي.. الوضع صعب".

"بدنا نتحمل في سبيل الدفاع عن أرضنا".. أضاف أيمن.

من جهته، قال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي كانت طواقمها حاضرة في منطقة المواجهات، منجد عبد الله، إن "الجيش الإسرائيلي يقدم الحماية للمستوطنين في جرائمهم من أجل السيطرة على الأراضي في قصرة وغيرها؛ لاستكمال مخططاته الاستيطانية في المنطقة وتهجير السكان الاصليين منها".

وأضاف، "هذه الاجراءات تذكرنا بما كانت تقوم به عصابات "الهاغانا" من مجازر بحق المواطنين وتهجيرهم من مناطقهم، وهنا يقوم الاحتلال بتكرار السيناريو بشكل مخالف لكل الشرعيات الدولية واتفاق أوسلو ولوجود دولتين".

وأوضح عبد الله لـ"وفا"، أن الاحتلال الإسرائيلي يريد فرض أمر واقع من خلال تغيير ديمغرافي سكاني للمنطقة واحلال سكان من "المستوطنين" مكانهم، تعزيزا لفكرة الاستيطان بما يسمى "يهودا والسامرة".

ونوه إلى أن طواقم الهيئة ستواجه إجراءات الاحتلال والمستوطنين بكل ما أوتيت من قوة من خلال تعزيز صمود المزارعين في أراضيهم وتمكينهم من خلال قلع المستوطنات بشكل نهائي، مشيرا إلى أن الهيئة تقدم الدعم اللوجستي للمواطنين من خلال تقديم الخدمات وما يحتاجونه لتعزيز صمودهم، خاصة في المجال الزراعي وبناء غرف زراعية؛ لتكريس ملكية أصحاب هذه الأراضي ومن ضمنهم الشهيد محمود عودة.

من جهته، قال مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة الغربية غسان دغلس، إن الأمور قابلة للاشتعال ما دام الاحتلال والاستيطان موجودا والاعتداءات مستمرة بغطاء من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، موضحا أن "المستوطنين فوق القانون لا يتم محاكمتهم وأن الأمور في تصاعد، والجندي يعمل تحت أوامر المستوطن الإسرائيلي".

وشدد دغلس على أن قصرة التي تتعرض منذ فترة طويلة لانتهاكات المستوطنين والاحتلال لن تكسر إرادة أهلها.

وأضاف "عندما قام الأهالي ببناء المنازل واستصلاح أراضيهم جن جنون المستوطنين في "ياش كودش، واحيا، وكيدا، ومجدوليم"، إلا أن صمود المواطنين وتمسكهم في الأرض فوق الخيال ورسالتهم واضحة.

وتابع: قصرة مثال يحتذى به في المقاومة الشعبية التي مرغت أنف الاحتلال وبقيت صامدة، لنا صولات وجولات عندما تقلع شجرة واحدة تخرج البلدة جميعها لجان حراسة ليل نهار تحرس أمن البلد.

ـــ

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017