فقط كي يعرف أبناؤنا من هم :هذه الأرض لنا... ما هي فلسطين، ومن هم الفلسطينيون؟

 كتب: خالد جمعة

 لم يعد للمقولات الجاهزة من قبيل "نحن شعب راسخ"، و"نحن شعب موجود قبل آلاف السنوات"، أي معنى، فهذه مقولات عاطفية بالدرجة الأولى، وإن كانت صادقة، أما فيما يخص أساس وجود الشعب الفلسطيني على هذه الأرض، فهناك الكثير مما يمكن قوله، لعل أوله أن ذكر الشعب الفلسطيني جاء قبل ظهور الديانة اليهودية بمئة وعشرة قرون.

منذ العصر الحجري القديم الذي يمتد من نصف مليون سنة قبل الميلاد إلى 14,000 سنة قبل الميلاد، عثر الباحثون على مخلفات العصرين الأبيفيلي، والأشولي، في عدد من الكهوف على سفح الكرمل وشمال بحيرة طبريا، كما وجدت هياكل عظيمة في جبل المكبر وشمال غرب بحيرة طبريا، وترجع الهياكل العظيمة إلى جنس بشري يعرف بالنياندرتال والذي يعد أهم حلقات تطور الجنس البشري، أما العصر الحجري الوسيط ويمتد من 14,000 سنة ق.م إلى 8000 سنة ق.م، فالحضارة في فلسطين في هذا العصر يطلق عليها الحضارة النطوفية نسبة إلى مغائر النطوف شمال القدس، وقد تم العثور على شواهد تشير إلى ظهور مجموعة بشرية جديدة يبدو أنها أسست لحضارة فلسطينية محلية تركزت على الساحل الفلسطيني، وقد عاش النطوفيون في المغائر والكهوف في جبال الكرمل وتلال القدس والخليل وأريحا وقرب بحيرة الحولة، واعتمدوا على الصيد كما عاشوا على جمع الثمار، وقد ترك النطوفيون أدوات صوانية مسننة كجزء من منجل وأجران ومطارق حجرية وقطع صوانية مختلفة الحجم، وقد عثر في أحد كهوف الكرمل على ما يزيد على 4000 قطعة من هذا النوع، كما عثر على عظام غزلان وعظام كلاب، ويستدل الباحثون من الموجودات على أن النطوفيين قد عرفوا الاستقرار في تلك المنطقة.

وكشفت أثريات عين المالحة عن بيوت حجرية وأماكن لتخزين الغذاء، كما دلت الاكتشافات على أن النطوفيين كانوا يدفنون موتاهم تحت الأماكن السكنية، وقد عثر على قلائد وحلي مرتبة على شكل حلقات حول رأس الميت. وعثر على صبغة حمراء مصنوعة من أكاسيد الحديد من عدة قبور، وقد عرف النطوفيون التجارة وكانت لهم اتجاهات فنية خاصة بدليل التماثيل الرملية التي عثر عليها في مغارة الزويتيني وتم العثور أيضاً على عدة أشكال منحوتة من عظم الغزال في وادي فلاح، كما عثر على رؤوس سهام صوانية في أريحا.

أما العصر الحجري الحديث 8000ق.م ـ 4500ق.م فقد عثر على عدة بيوت سكنية تعود إلى هذا العصر في عين المالحة ولكن لم يعثر على دلائل تقود إلى اكتشاف الزراعة في ذلك الوقت، ويعتبر الباحثون أريحا من أهم مناطق الشرق القديم التي تمثل فترة الانتقال من الصيد إلى الاستقرار، وقد اكتشف في أريحا بيوت تعود إلى العصر ما قبل الفخاري مبنية من الطوب باليد والمجفف بالشمس. وقد بني حول المدينة سور بعد أن ازداد عدد سكانها إلى 2000 شخص، وكان السور مبنياً من الحجارة المتراصة عرضه 1.82م وضم برجاً دائرياً وخزان للمياه ومخزن للحبوب ولا يزال البرج قائماً إلى اليوم وارتفاعه 9.14م. وقد تبين من الدراسات التي أجريت على بعض المواد المتفحمة أن هذا الانجاز المعماري يعود إلى 7000ق.م. أي قبل الأهرامات بأربعة آلاف عام. وقد قادت الحفريات إلى أن الفخار ظهر لأول مرة في فلسطين في حوالي 6000ق.م، أما النحاس فقد استعمل سنة 4500 ق.م، ويطلق على الحضارة التي بدأت باستعمال النحاس اسم الحضارة الغسولية نسبة إلى تليلات الغسول شمال البحر الميت، وقد غلب على أدوات هذا العصر دقة الصناعة والبدء بصقل وتلوين الفخار، وقد اشتهر بهذه الصناعات سكان تل أبو مطر (المطريين)، وقد اعتبر موقع تمنة قرب المناعية من أقدم مراكز تعدين النحاس. واكتشفت عدة مواقع تعود للعصر نفسه تقع بين جبال الخليل والبحر الميت، كما اكتشف فخار يعود إلى هذا العصر في الخضيرة وعثر فيه على أواني تحتوي على عظام موتي.

وفي العصر البرونزي 3200 ـ 1200ق.م يبدأ ظهور مدافن رأسية تنسب إلى جماعات قضت على حضارة العصر الحجري النحاسي، وتلت مرحلة المدافن الرأسية مرحلة ظهور مدن تحصينية أقيمت على هضاب مرتفعة ذات موقع دفاعي، وانتشرت هذه المدن في الشمال والوسط حيث المياه وطرق التجارة، ومن أهم هذه المواقع تل القدح وخربة الكرك قرب طبرية وبيسان والعفولة وتل تعنك وتل المتسلم (مجدو) في مرج ابن عامر ورأس الناقورة وأريحا القديمة وتل الفارعة وتل النصبة وتل الدوير وتل عراد وتل بيت مرسيم ومواقع أخرى كثيرة.

سميت تلك الفترة بعصر دويلات المدن بعد أن زاد عدد سكان فلسطين وأصبح للمدن قوة سياسية واقتصادية بعد ذلك دخلت فلسطين في العصر البرونزي الوسيط الذي امتاز بتوفر عدد من المصادر المكتوبة، وقد شهد النصف الأول من الألف الثاني ق.م حكم الهكسوس (ملوك الرعاة الأجانب) الذين تولوا السلطة في مصر لمدة 200 سنة وسيطروا على سورية وفلسطين. وبعد انتهاء حكم الهكسوس منتصف القرن السادس عشر ق.م وقعت سوريا وفلسطين تحت الحكم المصري المطلق، وتدل على ذلك وثائق تل العمارنة التي قدمت معلومات تفصيلية عن تلك الفترة. وقد كشفت الرسائل بوضوح إضافة إلى الحفريات عن أعمال تدمير في عدد من المدن الفلسطينية من جراء أعمال العنف.

أما العموريون فهم شعب سامي غربي هاجر من شبه الجزيرة العربية في وقت مبكر إلى بادية الشام وقد أطلق عليهم هذا الاسم سكان العراق الذين أشاروا إلى جهة الغرب بكلمة "أمورو" ومن ثم أصبحت الكلمة تدل على سكان المناطق الغربية بالنسبة إلى العراق. وقد ورد ذكر العموريين في المدونات العراقية في الألف الثالث قبل الميلاد.

أما العرب فيرجع تاريخ وجودهم في فلسطين إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهناك ما يدل على حرب الملك البابلي لهم في فلسطين في الألف الثالث ق.م.

أما كنعان فهو اسم على المنطقة الواقعة بين نهر العاصي شمالاً إلى العريش جنوباً وهي حدود المملكة المصرية القديمة، وضمت المنطقة فلسطين وفينيقية، وأصل الكنعانيين فيه اختلاف حول كونهم أقوام تسللوا بين العموريين أوهم العموريين أنفسهم أن هذا التسلل تم في القرن 21ق.م فيما عرف بحملة الأطواق، وقد كان الكنعانيون ساميين دون أدنى شك.

أما العمالقة فترجع نسبتهم إلى جدهم عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، ورغم حقد التوراتيين على العمالقة وتشوية صورتهم في التوراة، إلا أنه يستدل من التوراة أن العمالقة كانت لهم مستوطنات في جنوب فلسطين حول مدينة قادش برنيع والبتراء وجبال سعير، وأنهم سيطروا على طرق التجارة إلى إيلات وغزة ومصر، وقد وقفوا في وجه الإسرائيليين الآتين من مصر، وظلوا يحاربونهم من عهد موسى (13ق.م) إلى عهد حزقيا أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.

قبل احتلال القدس من قبل الملك داوود، عرفت باسم يبوس، وعرف سكانها باسم اليبوسيين، وقد اختلف علماء الأنثروبولوجي اختلافاً حقيقاً حول أصلهم وسنوات قدومهم إلى يبوس، فرأي يعتقد أنهم ساميون ويرجح دخولهم في الألف الثالث قبل الميلاد، ولكن الذي لا شك فيه وجودهم في القرن 15ق.م حسب رسائل تل العمارنة، ولم توجد أدلة على انتشارهم خارج يبوس ويدل هذا على قلة عددهم، ومع ذلك فقد ظلوا يحكمون المدينة لعدة قرون قبل أن يستولي داوود عليها، وقد قاوموا الغزو بشدة، وبقي نفوذهم قوياً حتى بعد الاحتلال الإسرائيلي للمدينة بدليل أن داوود نفسه عندما أراد أن يبني معبداً اضطر لشراء الأرض منهم، ولكن يبدو أنهم استعادوا استقلالهم بعد سقوط دولة اليهود عام 586ق.م.

أما الفلسطينيون فهم قوم هاجروا من بحر إيجة إلى أرض كنعان، وهم الذين أعطوها إسم "فلسطين"، وقد دفعتهم الفوضى التي سادت مناطق آسيا الصغرى والبلقان في نهاية القرن 13ق. م إلى البحث عن مناطق آمنة فجاؤوا إلى أرض كنعان، بمرور السنين تمكن الفلسطينيون من استيطان المدن الواقعة بين يافا وغزة ولم يقيموا سوى مدنيتين داخليتين هما اللد وصقلغ أما باقي مدنهم فكانت على الساحل. وقد حافظ الفلسطينيون على ثقافتهم فلم يحاولوا الاختلاط بسكان البلاد من العناصر السامية خصوصاً وأنهم جلبوا نساءهم معهم فلم يضطروا للمصاهرة الخارجية، واقتبسوا نظام الحكم الفينيقي وكانت أشدود هي عاصمتهم.

أما الجرجاشيون فهم قوم من الساميين من سلالة كنعان، ويعتقد أنهم أقاموا في الجبال المحيطة بالقدس، وقد حاولوا الوقوف في وجه الغزو الإسرائيلي، إلا أنهم وقعوا تحت نفوذهم وسلبت أراضيهم.

والفينيقيون هم الأقوام السامية التي سكنت الساحل الشرقي الجنوبي من المتوسط، وقد سماهم اليونانيون الفينيقيين منذ القرن 12ق م وقد كانوا يعرفون قبلها بالكنعانيين، أما تركيبتهم فهي مزيج من الكنعانيين والقبائل التي هاجرت من بحر ايجة، وقد أقام الفينيقيون منذ منتصف القرن 12ق.م عدة مدن مثل بيروت وأرواد وجبيل وصيدا وصور، وبدأت بالتبادل التجاري مع اليونان وشمال أفريقية، وقد كانوا يفضلون التجارة على الحرب.

وباعتبار أن أبعد تقدير للديانة اليهودية يمتد إلى 1300 سنة قبل الميلاد فإن الواضح هنا بما لا يدع مجالا للشك أن الفلسطينيين موجودون على هذه الأرض على الأقل سبعة آلاف سنة قبل نزول الديانة اليهودية، بل قبل يوسف ويعقوب وإبراهيم، ومن الغريب أنه رغم وجود آلاف السنوات بين الديانة اليهودية وبين نبي الله نوح، إلا أن التوراة تدعي أن أحد أبنائه يراه عارياً، فتقول التوراة، ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته، رغم أن كنعان سيولد بعد نوح بثلاثة آلاف سنة على الأقل.

إن هذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "شعب" إضافة إلى أنه ما زال إلى اليوم يحتفظ بأغنياته وأثوابه وآلات حصاده، هذه هي القيمة الحقيقة لوجود أي شعب، ولن يثبت حق أي أحد في أي أرض لمجرد امتلاكه لقنبلة نووية وبضعة ملايين من الدولارات.

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017