إياد بشارة.. الشهيد الذي زار منازل بيت ساحور

 إيهاب الريماوي

قبل استشهاده بثلاثة أشهر، طلبت والدته منه صورة للذكرى، كان شعورها أن حياته باتت قصيرة، اختار أن يسير في طريق صعبة لن يعود منها، حاولت منعه خشية أن تفقده، لكنه سلم روحه يوم الثلاثين من شهر تشرين أول/ أكتوبر عام 1988.

صعد إياد بشارة 19 عاماً يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين ثاني/ أكتوبر عام 1988، أعلى سارية في بلدة بيت ساحور، وكان يلتف حول جسده النحيل علم ضخم استعاره من أحد بيوت البلدة، ولما نصبه أصبح هذا العلم يرى على مد النظر، كان ذلك تحديا لقرار سلطات الاحتلال الاسرائيلي التي تصادر كل قطعة ترمز إلى القضية الفلسطينية.

في اليوم التالي، والذي يصادف يوم الأحد اشتعلت مواجهات قوية في البلدة بين الشبان وجنود الاحتلال، كان دوي الرصاص والقنابل مألوفاً لدى أهالي بيت ساحور، والتي عاشت على وقع المواجهات أكثر من أربعين يوماً.

بينما كانت مريم أبو سعدا منشغلة بأعمال البيت، شاهدت رجال من البلدة يهرولون نحو منزل قريب زوجها المحاذي لمنزلها، ناداها أحدهم ليخبرها بأن ابنها إياد أصيب بالمواجهات بجروح خطيرة، لم تصدق الخبر، فهو الذي كان معها منذ قليل في الكنيسة يؤدون الصلاة، حتى أنها لم تشعر بأي شيء، فقط لم تصدق، ثم مضت تتابع أعمالها.

برهة من الزمن، وتجمع حشود من البشر، حاملين على أكتافهن إياد مسجى بدمه، وضعوه في بهو المنزل، ومسرعة وقفت على رأسه، لم تظهر أي علامات للدماء على جسده، كان قد أصيب برصاصة في شريان رئيسي أسفل البطن، خمسة دقائق كانت كافية ليغادر الدنيا، أخبروها لاحقاً انه افترش تحت ظل شجرة زيتون ولفظ أنفاسه الأخيرة هناك.

الغليان الذي رافق استشهاد إياد بشارة، جعل جنود الاحتلال يداهمون منزل الشهيد لخطف الجثمان، إلا أن عائلته كانت قد تنبهت للأمر، ورحلت الجثمان إلى العبيدية المجاورة، ثم إلى الوديان القريبة من البلدة، وصولاً إلى عديد البيوت، كان الجثمان يتنقل من مكان إلى آخر، فالاحتلال داهم معظم بيوت بيت ساحور بحثاً عن جثمان الشهيد.

ظل جثمان الشهيد هكذا، فالاحتلال أمر بأن يتم دفن أياد خلال الليل حتى لا يتم تشيعه في جنازة شعبية، وفي يوم الأحد وهو اليوم الذي تلا استشهاد إياد عصى أهل البلدة أوامر الجيش وخرجوا في جنازة رمزية.

كان إياد قد قال لوالدته ذات مرة، أن لا تبكيه إن استشهد، بل أن تستقبل الخبر بالزغاريد، وبرفع إشارة النصر، وهذا ما كان.

 في أربعينية استشهاده، عندما رفعت صورته عالياً أمام مئات الناس في كنيسة بيت ساحور وبحضور لفيف كبير من الأجانب، أطلقت زغارديها ورفعت شارة النصر، والتي أصبحت صورتها أيقونة لنضال بيت ساحور وعصيانها المدني.

بعد عامين على استشهاد إيادع، زينت والدته شجرة عيد الميلاد بصور الشهيد، لم يكن يعنيها كثيراً الفرح وقتها، كانت حافظة لوصية الدم، زينت الشجرة من منطلق وطني، قبلها كانت تستقبل المعزين بالاستشهاد مدة ستة أشهر.

في هذه الفترة كانت بيت ساحور تشيع أبناءها شهداء، فقد كان لها نصيبها في دفع ثمن مقاوتها الاحتلال الاسرائيلي خلال الانتفاضة الأولى، الذي ميزها هو رفضها دفع الضريبة إلى حكومة الاحتلال الاسرائيلي التي كانت تسيطر على كل مناحي الحياة، ورداً على الإضراب أو العصيان المدني أو الوطني الذي شرع فيه أهالي البلدة، حاصرها الاحتلال وشن اقتحامات يومية للمنازل.

بات الاحتلال يقتحم المصانع والتي كانت تتألف من مصانع للصدف والبلاستيك والألمنيوم، ويصادر أملاك كل من لا يدفع الضريبة، صادر ماكينات المصانع، وأثاث المنازل من كنب وتلفزيونات.

وجد المواطنون أنفسهم في الضفة الغربية وقطاع غزة مجبرين على حملة بطاقة هوية إسرائيلية، تجعل كل فلسطيني يحمل رقما في ملف الحاكم العسكري، وكان كل مواطن يرفض حملها يعرض نفسه للمحاكمة والسجن.

قرر أهالي بيت ساحور إلقاء هوياتهم، وكان رد فعل الجيش الاسرائيلي بتكثيف حصار البلدة، وفرض منع التجول فيها، وكان هدف الاحتلال من ذلك أن لا يزيد عدد المواطنين الذين يلقون هوياتهم، وقام بتوزيع كل الهويات الملقاة على المواطنين حتى ساعات متأخرة من الليل، خشية من اتساع رقعة العصيان.

تصاعد العصيان المدني في بيت ساحور وصادر الاحتلال كل الرموز الوطنية كالأعلام الفلسطينية، حتى وجه المخدة المنقوش عليه العلم صادروه، والكوفية كذلك كان لها نصيب من المصادرة.

حجم التكافل الاجتماعي في تلك الفترة قل نظيره وفق مريم أبو سعدا، ففي ظل الحصار كانت سلال العنب تأتي وتهرب إلى داخل البلدة قادمة من الخليل، وكافة أصناف الطعام تصل من العبيدية وبيت لحم ومن المناطق القريبة،

"لقد أصبحنا حكاية العالم، تفاجأ الكون بقدرتنا على تحدي إسرائيل، صبرنا على حصار الاحتلال، لكننا في النهاية رفضنا خفض رؤوسنا، وأرغمناهم على الانصياع لمطالبنا". تقول مريم أبو سعدا

تتنهد أم إياد قليلاً وتقول: "لقد مر 29 عاماً على استشهاده، قبل بضعة أشهر فقط بدأت حياتي".

ـــ

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018