سيرة الإحصاء في حياة فلسطيني

 جميل ضبابات

عندما أجرت الحكومة العثمانية إحصاء النفوس الأخير في فلسطين عام 1914 كان راضي صلاحات يبلغ من العمر نحو عامين.. بعد 8 سنوات أحصي الطفل مرة أخرى، لكن من سلطات أخرى، هي الانجليزية، التي أعادت احصاءه مرة أخرى عام 1931.

لكن القصة لم تنته هنا.

انسحبت بريطانيا العظمى من فلسطين تاركة جزءا من فلسطين الكبيرة في يد إسرائيل الوليدة كقوة احتلال هجرت الفلسطينيين واستولت على منازلهم واحدثت خللا كبيرا في أعداد السكان، وأصبحت قرية الباذان في الضفة الغربية التي كانت لا تزال بعيدة عن الاحتلال نحو 19 عاما، ضمن الولاية الأردنية، فخضع الشاب إلى إحصاء جديد.

لم تكتمل قصة عد صلاحات بعد.

اجتاحت قوات الاحتلال ما تبقى من فلسطين الطبيعية عام 1967، وأعيد إحصاء الرجل مرة أخرى من قبل القوة المحتلة التي دفع احتلالها إلى تهجير سكان آخرين من الضفة الغربية إلى أماكن الشتات في العالم.

وللقصة بقية. فقد حدثت تحولات سياسية كبرى في المنطقة.

وأفضت مفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الاحتلال إلى الإعلان عن اتفاقات أوسلو وتسلمت السلطة الجديدة صلاحيات إدارية وأمنية في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأجرت منذ عام 1997 حتى اليوم 3 جولات إحصاء، أحصي ضمنها صلاحات فردا يزداد عمرا لكنه يسكن في ذات المنطقة.

بعد 106 سنوات من عمره، يجلس الرجل سعيدا بعدد محدود من زهور النرجس التي قطفها بعض أحفاده من سفح جبل مجاور ووضعت أمامه في غرفة استقبال بيت احد أحفاده، وهو يقول "رنجس حلو" وهو اسم مرادف يطلقه الفلسطينيون على هذا الصنف من الزهور ذات الرائحة الفواحة وينبت ويزهر في مثل هذا الوقت من السنة.

يضيف "أحبه وأحب الجوري".

على مقربة من مئات الأمتار كانت والدته قد أنجبته وعاش طيلة حياته في قرية تكبر وتتغير، وأحصي مرات عديدة من قبل انظمه ادارية وعسكرية مختلفة.

وفقط قبل عدة أيام أحصي صلاحات مرة أخرى. "جاءت (..) سمعت ان هناك إحصاء". قال بحديث متقطع يسوده الصمت وعدم القدرة على إكمال الحديث.

منذ أن تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية، أجرى الفلسطينيون ثلاثة تعدادات سكانية عامة. وقالت رئيس الجهاز المركزي للإحصاء "علا عوض لمراسل "وفا" إن الفلسطينيين في الساعات الأخيرة للانتهاء من هذا التعداد".

جالسا بين خمسة من نحو 160 من أحفاده وأحفاد أولاده يشير صلاحات إلى تغير الأنظمة التي أجرت تعدادا في فلسطين.

وقال لمراسل "وفا" إنه يكاد يذكر التعداد الذي اجري ايام بريطانيا.

كانت بريطانيا التي حكمت فلسطين منذ انتهاء الحكم العثماني عام 1917 حتى 1948 أجرت تعدادين عامين للسكان في فلسطين الطبيعية. عندما اجري التعداد الاول الذي تشير نتائجه حسب وثائق بريطانية الى ان عدد الفلسطينيين كان في عام 1922 (757.182) ساكنا من ضمنهم اليهود.

كان راضي طفلا في العاشرة من عمره واحد من أولئك الذين شكلوا تعداد الفلسطينيين في ذلك الوقت. لكن عندما أحصت سلطة وطنية فلسطينية لأول مره في عام 1997 كان راضي كهلا في الخامسة والثمانين من عمره واحدا من ضمن 2.783.084 فلسطينيا.

اما عندما احصى في المرة التالية عام 2007 كان ما زال الرجل في كهولته واحدا من 3.719.189.

وقالت عوض "نتائج التعداد الأخير ستظهر في نهاية شهر شباط او بداية اذار القادمين كحد أقصى".

وحسابيا سيزداد الفلسطينيون بنسبة 30% عن عددهم السابق.

في حياته المديدة عايش صلاحات نموا كبيرا في عدد سكان فلسطين، ومن تلة مشرفة على منطقة الباذان شمال محافظة نابلس، وهي منطقة سياحية مشهورة في الضفة الغربية بينابيعها وخضرتها الدائمة، شهد ايضا الرجل النمو في الابنية التي تزايد عددها كثيرا في العقدين الاخرين.

وحسب عوض فقد شارك نحو 11 ألف شخص في عملية التعداد الاخيرة التي شملت السكان والمساكن والمنشآت.

قالت علا عوض، "اليوم آخر ايام العد الفعلي. قد يكون هناك استثناء للقدس ورام الله والبيرة".

وقال وحيد شحروري وهو مدير التعداد في محافظة نابلس "في الباذان كان هناك ثلاث فتيات يقمن بعملية العد وانهين عملهن".

وحسب مؤشرات رسمية منشورة فقد بلغ عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة منتصف العام الماضي اربعة مليون و816 الف.

وقالت عوض "نعمل حسب المعايير الدولية ومعايير الأمم المتحدة (..) هناك بعثات تقييمية، ونحن بصدد استقبال بعثة أممية".

في العام 2007 كان صلاحات واحدا من 2.458 من سكان قريته. في العام 2016 حسب تقديرات جهاز الإحصاء، كان الرجل واحدا من 3.016 .

حتى شباط القادم وظهور العدد الأخير رسميا سيكون الرجل واحدا من الشهود على تاريخ قرن من سيرة التعداد في فلسطين.

جالسا على أريكة وثيرة كل حديث عن العمر يفضي إلى ابتسامة عريضة للرجل. وأشار وهو يغادر الغرفة إلى الفضاء الواسع في القرية إلى سلسلة المنازل التي دشنت في السنوات الماضية هنا.

وقال "هنا يطلع النرجس منذ ولدتني أمي". وهو بذلك يشير إلى احد السفوح الجبلية التي بنيت منازل عائلته الكبيرة عليها واجري إحصاء عدد منها للمرة الأولى .

وضم أصابعه إلى بعضها البعض وقربها كثيرا من انفه وهي حركة تشير إلى قبول رائحة تلك الزهور.

 

ha

التعليقات

المركزي .. لا بيع ولا أعطية

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

في معرض تبريره لرفض حركته حضور أعمال المجلس المركزي في  دورته المقدسية قال  القيادي الحمساوي محمود الزهار إن المجلس في هذه الدورة هو لبيع القضية الفلسطينية (....!!!) ورجما بالغيب وللتبرير ذاته، قالت صحيفة الجهاد الإسلامي المركزية التي تصدر في غزة، ان نتائج المجلس، وقبل ان تصدر هذه النتائج  طبعا، إنها "ستعطي غطاء جديدا للعدو الصهيوني للإجهاز على القضية وتصفيتها (...!!) وكانت هذه الصحيفة أعلنت في عنوان صفحتها الاولى "موت" المدينة المقدسة حين وصفت اجتماع المركزي بأنه "مأتم القدس" ...!!! أنهى المجلس المركزي اعمال دورته المقدسية وأصدر بيانه الذي هو باختصار شديد برنامج عمل نضالي على مستويات مختلفة لهذه المرحلة والمرحلة المقبلة، بعد أن أكد إدانته ورفضه للقرار الأميركي بشأن القدس، وضرورة التصدي لهذا القرار حتى إسقاطه، وبعد أن رسخ الموقف الوطني الحاسم، الذي كان الرئيس أبو مازن أعلنه غير مرة بدءا من خطاب اسطنبول التاريخي، وانتهاء بخطابه امام المجلس الأحد الماضي، انه ما عاد هناك أي دور للولايات المتحدة في العملية السياسية، وما عاد ممكنا أن تكون وسيطا ولا راعيا لهذه العملية، طالما بقيت سياساتها خادمة للعمل الصهيوني.

ويتجلى البرنامج النضالي في بيان المركزي، في تشديد البيان على أهمية وضرورة  تصعيد المقاومة الشعبية السلمية، بعد ان انحنى بتحية الاجلال والاعتزاز والفخر امام تضحيات شعبنا وبطولاته، في التصدي لقوات الاحتلال بالصدور العارية، وبصلابة روح التحدي الوطنية، وبرموزها الفتية التي باتت أيقونات نضالية ابهجت  واكتسبت احترام احرار العالم اجمع.

وباختصار شديد جاء بيان المجلس المركزي في دورة القدس العاصمة الابدية لدولة فلسطين، واضحا في تحدياته وقرارته، وواضحا أيضا في اصراره على انجاز المصالحة الوطنية على أكمل وجه، لتعزيز مسيرة التصدي للقرار الاميركي القبيح، دفاعا عن القدس، وسعيا لخلاصها من الاحتلال، وتأكيدا  لمسقبلها عاصمة لدولة فلسطين الحرة المستقلة.

امام هذا البيان وهذه النتائج التي اسقطت افتراءات الزهار وغيبيات صحيفة الجهاد الاسلامي، لم تجد حركة حماس سبيلا لنقد قرارات المركزي، سوى التشكيك بإمكانيات تنفيذها، ومن برج "المقاومة" العاجي، أعلمتنا بتصريح رسمي لناطقها الرسمي بالشروط المطلوبة لحمل هذه القرارات على محمل الجد من خلال "الالتزام بها للتنفيذ الفعلي على الارض" وبالطبع ستجلس حماس في برجها لتراقب الالتزام والتنفيذ الفعلي، فهي لم تعلن انها من الذين سيشاركون بالتنفيذ، وحقًّا عِش رجبا تر وتسمع عجبا ...!! نعم هذه "الاستذة الثورجية"  لا تستهدف سوى ان تواصل حركة حماس غيابها وابتعادها عن الصف الوطني، خاصة وهي مازالت تصطنع العراقيل الواحدة تلو الاخرى، في دروب المصالحة الوطنية من خلال منعها حكومة التوافق الوطني من التمكين الكامل، لممارسة مهامها في المحافظات الجنوبية كما هي في المحافظات الشمالية.

والحق انه من المؤسف الا تحاول حركة حماس  حتى الان، الخروج من إطار خطابها  الذي لا طروحات فيه غير طروحات المناكفات العدمية بمزايداتها البلاغية في الوقت الذي لا تنظر فيه نظرة واقعية لواقع اهلنا المكلوم في قطاع غزة، والذي لم يعد يحتمل أية مناكفات ولا أية مزايدات ولا أية ذرائع تمنع إتمام المصالحة الوطنية مهما كانت.

ومن المؤسف كذلك الا تكون حماس  جزءا من مسيرة التصدي للقرار الاميركي والدفاع عن القدس والمسيرة تندفع اليوم بثبات أقوى وقد تسلحت بقرارات المركزي بمهماتها النضالية المتنوعة.

وبالتأكيد هي مسيرة الحرية ذاتها التي لن تتوقف أبدا قبل وصولها الى تحقيق كامل أهدافها العادلة في دحر الاحتلال وتحقيق الاستقلال برفع رايات دولة فلسطين فوق أسوار القدس  العاصمة وعلى مآذنها وأبراج كنائسها وفِي دروبها التي سار فيها الأنبياء والصالحون من الاولياء والقديسين وهم يحملون رسالة الإيمان والمحبة والسلام للبشرية جميعها ... ماضون الى سدرة المنتهى الوطنية وويل للمتخلفين.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018