المقدسيات مدافعات الصف الأول

لورين زيداني

بعيدا عن رائحة كعك القدس، وعن أصوات البائعين المتعالية في المكان، بعيدا عن درجات باب العامود، البوابة الرئيسية إلى البلدة القديمة في القدس، ستقضي السيدة رفقة المقدسي 60 يوما على هذه الحال، 14 يوما منها بين جدران المنزل قصرا، والتهمة الدفاع عن طفلة صغيرة .

بدأت الحكاية ليلة الـ14 من كانون أول الجاري، عندما شاركت المقدسي في تجمع سلمي مع بعض أهالي البلدة القديمة على درج باب العامود، يهتفون وينشدون الأغاني الوطنية اعتراضا على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس "عاصمة لإسرائيل".

وكسعيهم الدائم حاول جنود الاحتلال تفرقة الموجودين، فما كان من إحدى المجندات إلا أن هجمت على طفلة من المشاركين، تبلغ من العمر 14 عاما، محاولة سحبها من مكانها وضربها، لتتلقى السيدة رفقة المقدسي الضرب بدلا منها.

تقول رفقة: "عندما اقتربت المجندة من الفتاة، دعوت الصغيرة ألا تنشغل بها لأنها تستفزها فقط، ثم حاولت التحدث مع المجندة لتبتعد عن الفتاة، فأقدمت على الفتاة تضربها فأمسكت بها من  شعرها، ضربتها ورميتها أرضا".

تستأنف المقدسي، "أكدت لهم في التحقيق أنني لم أكن البادئة، اعتدت المجندة علي فدافعت عن نفسي، لم يعتقلوني وقت الحادثة نفسها، فقد حماني الشبان الموجودون، لكنهم اعتقلوا ابني آدم ذا الـ 12 عاما، وأصروا على قدومي شخصيا لاستلامه من مركز التحقيق في شارع صلاح الدين، عندما وصلت أطلقوا سراحه وحبسوني بدلا منه".

حقق مع رفقة المقدسي لمدة ساعة، ثم تركت في غرفة لوحدها لساعات تجهل مصيرها، حتى نقلت إلى سجن الرملة صباحا لتعرض على المحكمة فيما بعد.

ظروف المقدسي في التحقيق والاعتقال تشاركتها ريحانة عودة ابنة الـ22 ربيعا، التي ساعدتها في حماية الصغيرة إلا ان ظروف التحقيق معها كانت أقسى .

تقول ريحانة عودة: "في التحقيق ربطت يداي وقدماي إلى الكرسي، وموثقة بشدة مما آلمني كثيرا، وجرحتا من القيود الحديدية، حتى أنني اعجز حتى الآن عن تحريك أحد اصابعي الذي تضرر عَصَبُه بسبب ضيق الأصفاد".

وتابعت، "الاعتقال تجربة صعبة، أخوضها للمرة الأولى لكن هاجسي الأكبر كان أن أحكم لفترة طويلة، فلا يتسنى لي رؤية شقيقي الأصغر عبد الناصر14 عاما، الذي اعتقلته قوات الاحتلال عام 2015 وسيفرج عنه في ال 29 من كانون الثاني يناير القادم".

علاوة على تعطل طالبة السنة الرابعة في تخصص الفيزياء في جامعة بيرزيت، عن امتحاناتها بسبب الحبس المنزلي المستمر 14 يوما، ومصادرة الاحتلال لهاتفها المحمول ومنعها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

في 18 من كانون أول ديسمبر الحالي، حكمت كل من رفقة المقدسي وريحانة عودة بعد قضاء 5 أيام في سجن الرملة، بكفالة قيمتها 1500 شيقل، وحبس منزلي لـ 14 يوما، وإبعاد عن منطقة باب العامود.

باب العامود العنوان الأبرز للاستدلال في القدس، والممر الرئيسي للبلدة القديمة، بما فيها المسجد الاقصى المبارك وكنيسة القيامة، أصبح مركزأ لتجمع المقدسيين على درجاته، من الفئات كافة خاصة مجموعة من النساء المقدسيات، الناشطات في الدفاع عن مدينتهن يتشاركن صعوبة المعيشة بسبب ضيق الاحتلال، إحداهن أم لشهيد، وأخرى ابنة لأسير، يتواصلن فيما بينهن عن طريق الفيسبوك أو الواتساب، فيكون ظُهر أحد الأيام موعد لقائهن، من جارة إلى قريبة وصديقة، وأي راغبة في المشاركة، يلتقين في فعالية "كاسة شاي وقهوة " أو "كعكة ومنقوشة " أو "رسم وتلوين للأطفال" أو حتى يجلسن مجتمعات في هتاف وغناء وطني، ليبدأ العدد من30 شخصا، ليتصاعد مع الوقت.

الناشطة المقدسية إلهام نعمان إحدى المنظمات والمشاركات في هذه الفعالية تقول: "نحن نحاول بصورة مستمرة افتعال نشاطات على باب العامود، بهدف منع تفريغ المنطقة من أهلها، الاحتلال يحاول تفريغ القدس من أهلها وتهويدها وطمس الهوية الفلسطينية، نتعرض للقمع الوحشي من قبل قوات الاحتلال، يبدأ بالتهديد إلى الصراخ، حتى يصل للضرب ورمي قنابل الغاز، وإلى الاعتقال رغم كونها فعاليات سلمية، وغير محتكة بهم أبدا".

القمع الدائم لهذه الفعاليات يجعل النساء المقدسيات عرضة للإصابة كما حدث مع الهام .

"تعرضت في الفترة الأخيرة لإصابتين، إحداهما في الفخذ مطاطية، والثانية قنبلة حارقة إضافة للتعرض للاعتقال من 3 الى 4 مرات لكوني من المرابطات في الأقصى، والمخربات لجولات المستوطنين في المسجد الأقصى، أو حتى التواجد والنشاط في القدس إضافة للضرب والإبعاد"، وزميلتها في هذه الفعاليات وفاء أبو جمعة، أم ابراهيم الذي اعتقل في الـ16 من عمره لمدة 4 أعوام ، بعد الإمساك به مع خلية شبابية في الطور وأفرج عنه قبل 6 أشهر .

تتحدث أبو جمعة عن اعتداءات الاحتلال عليها، "بما أنني إحدى الناشطات البارزات، تعرضت مرة للاعتقال واستدعيت3 مرات للتحقيق، اعتقلت في الـ 25 -4 الى 10-5 من المنزل من إلى التحقيق، الذي استمر منذ الساعة1 ظهرا إلى 9 ليلا ليفرج عني بكفالة 1500 شيقل".

وعلى الصعيد النضالي تسجل عضو المجلس الثوري لحركة فتح المقدسية سلوى هديب تاريخا في مواجهة الاحتلال، اذ اعتقلت لمدة عام كامل، ومنعت من السفر لمدة تسعة أعوام متواصلة، وأصدر بحقها قرار الإقامة الجبرية لمدة ثلاث سنوات ونصف، عندما كانت طالبة جامعية.

وترى هديب أن المرأة المقدسية مقاومة منذ بدايات الثورات الفلسطينية إلى جانب الرجل، وتقول: "المرأة المقدسية هي التي صمدت أمام عنجهية الاحتلال وتوضع تحت ظروف صعبة عندما تكلف بمراقبة ابنها عندما يكون معتقلا منزليا مطلوب منها ان تخبر الشرطة الاسرائيلية في حال مغادرة ابنها للمنزل في أي لحظة لكنها تتحول الى داعم نضالي لابنها ووطنيا وسياسيا وحامية له، لذلك اسرائيل لن تنال من عزيمة المرأة المقدسية".

أما آخر مواجهة مباشرة لها مع الاحتلال كانت قبل 10 أيام في مظاهرة بشارع صلاح الدين حيث تعرضت لقنبلة صوت ثم برش الغاز إذ هاجمها  الخيالة وحجزوها في احدى الزوايا الضيقة المكتظة بالناس.

تقول هديب: "كامرأة مشاركة ومسؤولة لديك عبء حماية الطالبات وحماية الشبان وحماية نفسي وهذا دليل على اننا جميعا مستهدفون ولكن صامدون في القدس العصية على الانكسار والهزيمة".

الصمود والثبات والايمان بالقضية والاستمرار رغم الخطر المحدق بهن والمستمر بوحشية مبدأ أجمعت عليه جميع الناشطات المقدسيات اللواتي تحدثن لـ "وفا".

وقالت رفقة المقدسي: "القدس تعني كل شيء بالنسبة لي كل حياتي، وإذا لم يدافع اهل القدس عنها فمن سيدافع، وللمرأة دور مساوٍ لدور الرجل بالمرابطة والمشاركة في المسيرات لأن القدس للجميع حتى الأطفال يشاركون أهلهم".

وتوافقها وفاء أبو جمعة التي تصر على الاستمرار رغم قسوة الاعتداءات "نحن بنات القدس ومن حقنا الدفاع عنها لو ضربونا أو كسرونا أو قتلونا لو قطعوا جسدي الى مئة قطعة لن يوقفني ذلك إلا بالشهادة".

ولتعزيز صمود المقدسيين واستمرار ثباتهم في مدينتهم وحقهم طالبت السيدة هديب بمرجعية وطنية سياسية واحدة من أجل القدس.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018