عهد التميمي.. الاحتلال في صورته "القذرة"

يامن نوباني

لم يشهد أي احتلال في التاريخ على أن فتاة.. لا بل طفلة، كانت في يوم من الأيام، الشغل الشاغل له، بحيث تصدرت تصريحات كبار ساسته وحديث إعلامييه.

عهد التميمي، منذ اعتقالها، وحتى قبل ذلك، تشغل ألسنة قادة العدو، وأوراق البرامج الحوارية الإخبارية على الشاشات الاسرائيلية المقهورة من جرأة صبية لم تتجاوز الـ17 عاما، مندفعين برأي عام معبأ بالعنصرية والحقد والارهاب.

صب عدد من وزراء الاحتلال وأبواقه الاعلامية المشهورة حقدهم على عهد، مطالبين بالانتقام منها ومن عائلتها بطرق لم يسبق للاحتلال التلويح بها علانية، رغم أنه مسّ من قبل وآذى جسديا معتقلات فلسطينيات أخريات، إلا أنه كان ينفي أو يتغاضى الحديث أو يُخفي.

هنيدة غانم مديرة مركز مدار في رام الله، قالت لـ"وفا": إن الإعلام الاسرائيلي يقوم بهجوم عنيف على عهد التميمي، ويعتبرها هزت صورة وأسطورية جيشه، وذلك تماشيا مع الهجوم الذي يشنه سياسيون كبار وعلى رأسهم وزراء أمثال "بينيت، وليبرمان، وريغيف"..

ورأت غانم ان هناك صراعات داخلية في مجتمع الاحتلال لاقت فرصتها للظهور على حساب الطفلة التميمي، فبات الخطاب الإسرائيلي شعبوي تحريضي عنصري، والأجواء الموجودة حاليا لدى تلك الفئة من السياسيين هي أجواء مزدحمة بالعنصرية والشعبوية والمنافسة، فاليمين الجديد، هو الذي يمسك بمقود القيادة في دولة الاحتلال، وهو يمين شعبوي واستيطاني وديني.

وأضافت: "بن كسبيت ليس مجرد صحفي من الدرجة الثانية، بل من أهم الصحفيين والمحللين السياسيين في اسرائيل، ويعمل بالإضافة لوظيفته في جريدة معاريف، كمحلل في موقع المونيتور الذي يتباهى بـ"موضوعيته" ويعمل به العديد من الصحفيين العرب والفلسطينيين. هذه لحظة للضغط على الموقع وعدم قبول زمالة عمل مع من يحرض بشكل أرعن يحمل بباطنه دعوات قميئة ومثيرة للغثيان لمعاقبة عهد وعائلتها".

في 19.12.2017 في مقالته في معاريف عن قضية عهد التميمي، أعطى بن كسبيت النصائح التالية للجيش للتعامل مع عهد وعائلتها: في حالة الفتيات، يجب جباية الثمن في فرصة أخرى، في العتمة، دون وجود شهود وكاميرات. عائلة التميمي يجب ان تتعلم بالطريقة الصعبة أن استفزازات ممنهجة كهذه أمام جنود جيش الدفاع تكلفها غاليا. للجيش ما يكفي من القدرات والابداع والأدوات لتحقيق مخرجات كهذه، دون ان يدفع ثمنا عاما عاليا".

وبينت غانم: أن ما حدث مع عهد يذكّر بما حدث قبل 30 عاما مع أطفال الحجارة حين هزوا صورة الجيش الأسطوري وتم الرد عليهم بعنف والتحريض الكبير. ما يتم تداوله اليوم هو نغمة ثأر باعتبار أن الجيش هو هيبة الدولة، والمزاج الآن مزاج انتقام.

أغلب الصور والتعليقات والعناوين الكبيرة في الصحافة الاسرائيلية المكتوبة والمسموعة، مصدومة من عدم رد الجنود على عهد، فيما رأي آخر يرى في عدم الرد فعل ايجابي بسبب وجود الكاميرا، وهناك اليسار اللاصهيوني الذي انتقد بطريقة خجولة ما يجري واكتفى بوضع تساؤلات والذهاب إلى زوايا بعيدة عن جوهر الموضوع، وهو في الأصل يسار مهمش.

بتاريخ 22 كانون الأول الجاري، نشر موقع عرب 48 مقالا لبلال ظاهر، أوضح فيه أن الإسرائيليين يستغلون بغالبيتهم العظمى، أي حدث من أجل نثر سمومهم العنصرية ضد الفلسطينيين. والحدث هذه المرة هو مطالبة الفتاة عهد التميمي جنودا إسرائيليين مغادرة بيتها وقريتها، بينما كانت بحالة غضب شديد. وكما هو حاصل في السنوات الأخيرة، فإن التحريض العنصري الدموي لم يكن ضد عهد وحدها وإنما كان ضد عائلتها وقريتها والفلسطينيين عموما. ولم يأت هذا التحريض الدموي من جهة اليمين الفاشي الإسرائيلي فقط، وإنما من جهات تعتبر وسطا سياسيا ووسائل إعلام مركزية، تعاملت مع هذا الحدث كأنه يشكل تهديدا خطيرا على إسرائيل.

وهدد وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أن "من يقوم بأعمال شغب في النهار، يُعتقل في الليل. وأي أحد تواجد في دائرة الحدث، وليس الفتاة فقط، وإنما والديها والقريبين منها، لن يفلتوا مما يستحقونه من عقاب".

كذلك ادعى رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، أن "الصور صعبة"، في إشارة إلى صفع عهد التميمي للجنديين. وطالب بسجنها لسنوات معتبرا أن "مكانها في السجن".

واعتبر عضو الكنيست السابق، أرييه إلداد، وهو أحد رموز اليمين الفاشي الإسرائيلي، أن "الجُبن، الذي أدى إلى التعليمات المشوهة الصادرة للجنود بعدم الرد، توجه النيابة العسكرية أيضا. وربما هذا نابع أيضا من عدم الإيمان بعدالة الطريق. ومن يثق أن البلاد لنا وليست للعرب لن يرتبك". وأشار إلى "خطورة" عهد، مستخدما ديماغوغية المحتل الذي يرتكب المجازر بحق الفلسطينيين، حتى يومنا هذا، وكتب أن "العربية التي تتفاخر بطرد الضابط هي مندوبة العرب الذين يريدون طردنا من البلاد... ومن يعتقد أنه مسموح في النبي صالح ضبط النفس أمام الكاميرات، إنما يعتقد عمليا أنه لا ينبغي أن نتواجد في النبي صالح، والانسحاب من قلب وطننا، وأن العربية على حق".

ولمجرد أن فتاة مثل عهد تصدت لجنديي الاحتلال، اعتبر إلداد أنه "ليتني كنت واثقا من أن النيابة العسكرية، التي لا تطالب بفرض عقوبة الإعدام على المخربين القتلة، ستتطلب خلال محاكمة عهد التميمي بفرض السجن عليها لسنوات طويلة.

وقالت عضو الكنيست نافا بوكير، من حزب الليكود الحاكم، بعد زيارتها للجندي القاتل إليئور أزاريا في السجن، إن "تصرف الجنديين كان، برأيي، متأثرا من قضية أزاريا، وكانت هناك حالات في المناطق (المحتلة) التي تردد فيها جنود في إطلاق النار عندما كانوا في حالة خطر".

وبادرت وسائل إعلام إسرائيلية إلى التحريض على قرية النبي صالح. ووصف تقرير نشره موقع nrg الإلكتروني اليميني القرية الفلسطينية بأنها "معادية" وأن عائلة التميمي لديها "تاريخ طويل من الإرهاب"، في إشارة إلى التصدي لممارسات الاحتلال.

كذلك اعتبر المذيع ديدي هراري، في برنامجه في إذاعة 103 FM، التي يستمع إليها معظم الإسرائيليين، في أعقاب نشر مقطع الفيديو من النبي صالح، أنه "تبا، من يريد سلاما مع شعب مقرف كهذا؟ وكم استفزازا بإمكان الفلسطينيين أن يفعلوا؟".

واضح أن هؤلاء العنصريين ومن هم على شاكلتهم يتجاهلون الأسباب التي حركت عهد التميمي وغيرها للتصدي لجنود الاحتلال، لكن أغلبية الإسرائيليين يعتبرون هذا التصدي "إرهابا"، وأن الاحتلال وجرائمه ليس سببا للمقاومة، حتى لو كانت هذه مقاومة سلمية، علما أن المعاهدات والقوانين الدولية تعطي الرازحين تحت الاحتلال أوسع من هذا الحق.

وختم ظاهر مقاله: وثمة أمر أوضح، وهو أنه ليس صدفة أن الصراعات، ويرى الكثيرون أنها شروخ وتصدعات، داخل المجتمع الإسرائيلي كثيرة جدا وفي كافة المجالات، الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأكبر دليل عليها نزعات الهجرة الواسعة من البلاد والسعي من أجل الحصول على جوازات سفر أجنبية، بينما يوحد الإسرائيليين أمر واحد ووحيد، هو "الأمن"، كأنه عقدة. بل أن هذه عقدة السارق والقاتل، وجنوده أشبه بعصب مكشوف، داست عهد عليه.

يشار إلى أن عهد التميمي طردت جنديين من لواء جولاني كانوا يستبيحون ساحة منزلها في قرية النبي صالح غرب رام الله يوم الجمعة 15 كانون الأول الجاري. حملات تحريض شرسة قادها المستويان السياسي والاعلامي دفع أجهزة الاحتلال الاستخباراتية والأمنية لاعتقالها بعد ثلاثة أيام من الحادثة، وبعدها بساعات اعتقل والدتها ناريمان وقريبتها نور التميمي.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018