رجل من زمن الكفاح «لذكرى الدكتور حسين الشيوخي»- يحيى رباح


عرفت حسين الشيوخي قبل أن التقي به منذ سنوات طويلة، فقد لمع نجمه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كمحام شجاع وبكفاءة عالية وخاصة في قضايا الدفاع عن المناضلين الفلسطينيين الذين تعتقلهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي وتحشد ضدهم اتهامات قاسية ينتج عنها أحكام بالسجن طويلة المدى.
كما ازدادت شهرته في الدفاع عن المطاردين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، كما تم اختياره رئيساً للجنة الدفاع عن الأراضي الفلسطينية ضد اجراءات المصادرة الإسرائيلية، ثم إنه ترأس فريق الدفاع عن الأخ والصديق العزيز فؤاد الشوبكي المتهم في القضية الأكثر إثارة، قضية السفينة كارين A، بتهمة تهريب كمية كبيرة من السلاح إلى مناطق السلطة الوطنية، وهي قضية تداخلت فيها العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، وقد جرى الاتفاق أن يوضع اللواء فؤاد الشوبكي داخل سجن في أريحا تحت رقابة دولية، ولكن إسرائيل كسرت الاتفاق في العام 2004، واختطفت اللواء الشوبكي.
والحقيقة أن طموح حسين الشيوخي قد ظهر مبكراً، حين كان تلميذاً في المدرسة في مدينة الخليل، حتى ان مدرسيه كانوا يرون فيه مشروع محام موهوب! لقدرته الفائقة على متابعة التفاصيل، وحشد المنطق المترابط دفاعاً عن الرأي الذي يؤمن به، وهذا ما كان بالفعل، فبعد أن تخرج من مدرسته الثانوية ذهب إلى الجامعة السورية العريقة دمشق ليدرس القانون حيث تخرج في العام 1962، ورغم أنه تولى عدة مناصب في سلك القضاء ولكن نزوعه إلى المحاماة كان هو الأقوى، وقد نال في فضاء المحاماة شهرة واسعة جداً، لأنه كان يجد في هذه المهنة نفسه، ويحقق ذاته، وكانت مهنته أقرب إلى التصادم مع متطلبات الحياة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
أما جناحه الآخر، فكان يحلق بالعلم، ولذلك فقد كان أحد مؤسسي جامعة الخليل، كما أسس الكلية العصرية بهدف تعميم التعليم المهني والتقني وذلك في بداية الثمانينيات، وقد تمكنت هذه الكلية من الارتقاء بالعديد من تخصصاتها من مستوى الدبلوم إلى مستوى البكالوريوس، وهي اليوم واحدة من مؤسسات التعليم التي يشار إليها بالبنان في الضفة، وكان مهموماً إلى حد كبير في تحولها إلى جامعة بعد أن وضع كافة الأساسات لذلك، ونرجو لحلمه المشروع أن يتحقق.
ينتمي الدكتور حسين الشيوخي: إلى جيل الكفاح، كانت الفكرة تسيطر عليه، فلا يكل ولا يمل ولا يعترف بالمستحيل، وقد وهبه الله قدرة هائلة على الاتصال مع الآخرين، فكان له شبكة معارف وصداقات واسعة جداً، حتى أنك تتخيل أنه لا يوجد أحد فلسطيني لا يعرف حسين الشيوخي «أبو ناصر»، وكان له حس مرهف بالقضايا المهمة على المستوى الوطني، فقد كان مهتماً في الأيام الأخيرة من حياته بموضوع الأوقاف الاسلامية، وإعادة إحياء الأوقاف لتكون منظومة كاملة تنهض بالعديد من الأعباء الإجتماعية والثقافية والعلمية كما كان يفعل العرب المسلمون في تاريخهم، لأن كثيرا من المؤسسات التعليمية والاجتماعية كانت تعتمد على النظام الوقفي فيما تتطلبه من إمكانيات لمواصلة نشاطها.
لقد غادرنا الشيوخي يرحمه الله، ولكنه ترك لنا إرثاً كبيراً، وذاكرة مضيئة، ولدي ثقة بأن هذا الميراث الذي تركه لنا سوف يبقى ويتجدد على يد ولديه العزيزين ناصر وسامر، فهما من جيل الأمانة والطموح، وكل أفراد عائلته، ذلك أن الكبار حين يرحلون يبقى امتدادهم في ما تركوه في الأرض من بعدهم ينفع الناس، أدعو له بالرحمة وجنات الخلد، وأدعو لأبنائه ان يساعدهم الله على حمل أمانته الكبيرة وذكراه الجميلة عبر السنين.

 

za

التعليقات

الصحافة كمهمة وطنية

ولأننا ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني، المرحلة التي ما زالت تستوجب تحشيد الجهود الوطنية كلها وتوحيدها في دروب الكفاح والمقاومة المشروعة، لتحقيق اهدافها في ازالة الاحتلال وبناء الدولة المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، وهذه لازمة ليست من تكرار القول، بل من ضرورة تكريس الموقف والمعنى في بعده الاستراتيجي، نقول لأننا ما زلنا في هذه المرحلة، فإن العمل الصحفي فيها يظل واحدا من ابرز مهامنا الوطنية الملقاة على عاتقنا كصحفيين، كتابا ومحررين على نحو خاص، لجعل صحافتنا حتى في قطاعها الخاص، صحافة قادرة على تكريس ثقافة المقاومة والبناء في تطلعاتها المعرفية والانسانية الخلاقة، وتحشيد الرأي العام من حول المشروع الوطني خدمة لأهدافه العادلة والمشروعة. 
بالطبع ان ذلك لا ينبغي ان يكون على حساب المهنية، مثلما لا ينبغي بل ولا يجوز ان يوضع الشعار في الخبر او التقرير او التحقيقات الاستقصائية، محل الواقع ومعطياته وحقائقه، ولا ان تكون البلاغة الانشائية اساسا لمقالة الرأي ولا ان توضع محل النص النقدي، وفي الوقت الذي نعرف فيه ان المهنية البارعة ستخدم اكثر المهمة الوطنية في هذا الاطار، غير انه لا يجوز تقديس هذه المهنية الى حد جعلها عقيدة لها قوة التحريم والاقصاء لكل ما عداها من ضرورات تلك المهمة وطرقها في التعبير والتقدير، عقيدة تجعل من " السبق الصحفي " احيانا حتى لو كان يبعث على الفرقة ويثير فوضى الكلام والمواقف، اكثر اهمية من اية قضية وفوق كل اعتبار، وطنيا كان ام اجتماعيا ام غير ذلك ..!! 
ليس من حرية التعبير اشاعة القول على عواهنه، ولا التطاول بطبيعة الحال اسلوبا من اساليب هذه الحرية، وتتقزم الكتابة الصحفية اذا ما تحكمت فيها الخصومات والحسابات الشخصية، تحت مزاعم التحليل السياسي او القراءة النقدية لهذا الموقف او تلك التجربة، فلا تعود نصا يخدم احدا حتى صاحبه، ولا تنويرا وطنيا يصب في صالح تطلعات الرأي العام عندنا ..!!
ومن " المهمة الوطنية " تتقدم الموضوعة الاجتماعية كأبرز المواضيع التي تحتاج الى متابعات تفصيلية على صعيد التقرير والتحقيق ومقالة الرأي، وبرؤية نقدية وتنويرية معا، تسعى لمزيد من التطور والتقدم الاجتماعي والتحضر المدني، لا الانساني فحسب، وانما السياسي كذلك كي لا يبقى خطاب هذه الاخيرة محلقا في فضاء الشائعات والاقاويل. 
من نافل القول اننا اليوم نعيش مرحلة صعبة، تضيق وتشتد علينا بحصارات الاحتلال الاسرائيلي المنوعة، المستندة الى سياساته التعسفية والعنصرية الرامية لتحطيم احلام شعبنا وتطلعاته العادلة والمشروعة، لكننا مقبلون على مرحلة اصعب ومواجهات سياسية اكثر احتداما مع الاحتلال، وهنا تبرز المهمة الوطنية للصحافة ان تتجلى بأوضح نص يجمع ولا يفرق، نص لا يبدل الأولويات ولا يستبدل الاهداف، نص نقدي بأخلاقياته الرفيعة لا بانفعالات اللحظة الملتبسة, وكل ذلك يعكس المهنية البارعة.
ولنقرأ جيدا " الربيع العربي " الذي وضعه الرئيس ابو مازن يوم امس في كلمته امام المجلس المركزي، في سياقه السياسي، في اوضح تشخيص من نوعه, حيث هو " الشرق الاوسط الجديد، والذي نعاني منه الى الان " لنقرأ جيدا هذا " الربيع " في قواعده الاعلامية والصحفية لنعرف كيف تحول الى " حرب طائفية " لا هدف لها سوى التدمير والتمزيق والشرذمة .
الكلمة مسؤولية في كل مستوياتها الاخلاقية والمعرفية، من اجل ان تكون كلمة لصالح الوطن ومشروعه التحرري العادل والمشروع ، كلمة لصالح شهدائه وجرحاه واسراه الابطال، كلمة لصالح مستقبله مشرقا بالدولة الحرة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهنا الصحافة حاضرة تماما في مهمتها الوطنية. 

كلمة الحياة الجديدة - رئيس التحرير

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2015