الاحتلال ينذر بإخلاء 4 أحياء كبرى في الضاحية الجنوبية بلبنان    الاحتلال يصعد عدوانه على الضفة: تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية وحملات اعتقال واسعة لليوم السادس    الاحتلال ينصب حاجزا عسكريا في الرام    إصابة 3 أطفال بجروح ورضوض في اعتداء للمستعمرين بمسافر يطا جنوب الخليل    الاحتلال يقتحم بيت لحم ويتمركز في عدة أحياء    "التربية": الإعلان عن آلية الدوام للمدارس ورياض الأطفال والجامعات والكليات يوم الأحد المقبل    "جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025    لليوم السادس على التوالي: الاحتلال يعرقل وصول مزارعي قلقيلية إلى أراضيهم خلف جدار الفصل العنصري    الدفاع المدني: تعاملنا مع 12 حالة تساقط شظايا صواريخ منذ السبت الماضي نتج عنها 4 إصابات طفيفة    الاحتلال ينصب بوابتين حديديتن في الأغوار الشمالية    الاحتلال يشن حملة اعتقالات طالت 13 مواطنا غرب رام الله    تواصل القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران واستهداف عدة مناطق في لبنان    الاحتلال يواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم السادس ويمنع المصلين من دخوله    الاحتلال يواصل شق طريق استعماري شرق طمون جنوب طوباس    إصابة عدد من المواطنين واعتقال فتاة خلال اقتحام الاحتلال عدة مناطق في الخليل  

إصابة عدد من المواطنين واعتقال فتاة خلال اقتحام الاحتلال عدة مناطق في الخليل

الآن

فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى"... إلا نحن

دير القديس جاورجيوس (مار جريس)

رامي سمارة وإيهاب الريماوي

في قاع واد ذي زرع، ما انفك خضر نجم، المرشد السياحي المقدسي يبحث عن خمسة طلاب غادروا السرب. يسأل عنهم إن كانوا ما زالوا في الخلف، أم تقدموا على البقية وسبقوهم صعودا بعد أن اجتازوا الدير.

كان الطلاب الخمسة أكبر أقرانهم سنا، ظنوا أنهم لن يتوهوا في ذلك المكان الذي ندر ما تطأه قدم فلسطينية رغم أنه موجود منذ القرن السادس الميلادي.

"يا استاذ في خمس شباب عجّبوا. آدم وعلي ومؤيد ولؤي وهاشم، ذهبوا لوحدهم. لا أحد يهتم"، وشى نجم لمعلم برفقة طلبة انطلقوا في رحلة استكشافية من مدرسة "مار متري" في البلدة القديمة بالقدس قاصدين برية المدينة.

نجم الذي انبرى يطوي أرض فلسطين من شمالها حتى جنوبها؛ يعتقد أن الفلسطينيين اعتادوا تنظيم رحلات السياحة الداخلية لأماكن معروفة، حتى في الرحلات المدرسية، مثل قصر هشام، وحديقة الحيوانات في قلقيلية، ومردّ ذلك ضعف المناهج والموجهين والمعلمين، الذين تنقصهم المعلومات عن الأماكن السياحية في فلسطين خاصة التاريخية منها.

"هناك إهمال واضح، والمسؤولون عن هذه الأماكن لا يعرفون عن تاريخها وطبيعتها الجيولوجية والطبيعية. كل الأفكار الخاصة بتشجيع السياحية الداخلية إلى أماكن غير تقليدية تكون فردية وليست بشكل مؤسساتي منظم. كنت أود أن يتم العمل والتعاون بشكل جماعي لتعويض ما خسرته هذه البلاد التي تقع في منتصف العالم" قال نجم.

استأذن نجم وغاب يتبع فريقه بين شجيرات على مقربة من مدخل الدير، الذي تصله بعد اجتياز قوس حديث البناء، على طريق شديدة الانحدار تأخذك يمنيا ثم يسارا، وتعود بك إلى اليمين، ثم ترافقك على يسارك قناة ملأى بماء صبّه شلال مجاور محاطة بالأشجار، فيستقبلك جسر أوله وآخره قوسان، ومبني على قوس يرفعه عن قاع الوادي، وحين ينتهي الجسر تصعد بك الطريق نحو ثلاثة مبان يطل عليها جبل صخري مليء بالكهوف.

هذا المكان تابع للكنيسة الارثذوكسية اليونانية، يسمى دير القديس جاورجيوس (مار جريس) وهو راهب عاش ناسكا في منطقة وادي القلط قرب أريحا.

الدير العريق الذي أدخل عليه في القرنين الأخيرين ترميمات وتجديدات معمارية؛ بدأت الحياة الرهبانية فيه منذ القرن السادس للميلاد، والآن كل ما فيه مقدس، وهو مليء بمعالم روحانية، وتزينه ايقونات خطها رسامون بيزنطيون، وفي محيطه كهوف ومغر عاش فيها نساك من القرون المسيحية الأولى.

"كفيل كل ذلك بالدلالة على قدم هذه المنطقة وتاريخها، أليس كذلك؟" يتساءل المطران عطا الله حنّا رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذوكس في القدس، غير منكر لحقيقة أن المكان تسمع في أنحائه الروايات الإسرائيلية.

"في الأرض المقدسة لا أحد بحاجة إلى دعوة للوصول إلى الأماكن الدينية، خاصة المسيحية، التي تعتبر فلسطين مهدها، ورغم دعواتنا الدائمة لتنسيق الزيارات والجولات الميدانية إلى هنا مع الكنائس والمؤسسات السياحية الوطنية في القدس؛ لكننا نواجه مشكلة في طول يد المؤسسات الإسرائيلية كوزاة السياحة وبلدية الاحتلال في القدس، وهذا يعني ترويج الرواية الصهيونية فيما يخص الأماكن الدينية المسيحية والإسلامية على حد سواء". أضاف نجم.

من خلال الأدلاء السياحيين تنقل للزوار والحجاج معلومات خاطئة وغير دقيقة بشكل مقصود عن التاريخ والحضارة عن الحالي والماضي بغرض الترويج لروايتهم.

الوصول إلى هذا الدير يحتاج إلى جهد، الطريق الشاقة والوعرة خاصة على كبار السن والمرضى؛ لم تثن زوارا ومنهم مقعدون عن المجيء من كل حدب وصوب، للصلاة والتعرف على المعالم، "نود زيارة أبناء شعبنا الفلسطيني مسلمين ومسيحيين لهذا المكان. نحن نخشى أن يتحول إلى متحف".

تحني ظهرك عند وصولك إلى باب حديدي، يطل عليك راهب يشير إليك إلى بهو يقودك لمباني الكنيسة الثلاثة.

في الداخل قسطنطين، وسيرجو، وفاسيلي، وماريا، وبولين، أتوا من رومانيا، وروسيا، وبريطانيا، وألمانيا، وويلز، لا شيء يجمعهم سوى صمت أمام راهب يتوسطهم في بهو الكنسية الداخلي، يشرح عن قدسية المكان.

على شكل وفود يحيطون بالراهب أو يبتعدون عنه قصدا لتلك الغرفة التي تصدر منها ترانيم وصلوات، وتعلوا فيها شهقات، وتنهمر بداخلها الدموع.

صفت معدات قديمة في البهو إلى جانب جرتين ضخمتي الحجم، وفي الأسفل درجات يقدن إلى سرداب وكأنه سجن، بابه موصد، تحيط بها غرفة لا تفتح أبوابها إلا ليخرج منها كهنة أو ليدخلوا إليها، وعلى مدخله درجات تقود إلى كهف معتم ما خلا من المصلين.

المكان ساحر أخاذ لا يمنع من دخوله أي كان من أي ديانة، إذا ما التزم الزوار بالتعليمات التي وضعت على يافطة معلقة على يمين الباب الحديدي.

هممنا بالرحيل، شكرنا الراهب الواقف بالباب، هبطنا إلى قعر الوادي لنصعد مجددا وفي طريقنا وعلى مقربة من مجرى الماء شاب فلسطيني يمسك بيد خطيبته المحجبة، تحدث طويلا عن أهمية المكان وزيارته، استهجن غياب زواره الفلسطينيين، ملقيا باللوم على المؤسسات الرسمية، وغياب دورها في دعم السياحة الداخلية.

"حاولت كثيرا أن أدعو الناس لزيارة المكان، أقنعهم بأن الأمر لا يكلف سوى أجرة التنقل، لكن الغالبية كانت ترد ساخرة من الذهاب إلى رحلة تحتم عليك السير مسافة ترنو من كيلومترين اثنين. لكنني متيقن أنهم لن ينقطعوا عن هذا المكان إذا ما زاروه لمرة واحدة. هذه الأماكن ممتعة ومتنوعة فيها الماء والخضراء والتاريخ، قال نجم بحسرة كبيرة".

شكرناه وواصلنا الصعود نحو قمة الجبل، حيث مدخل الدير، صادفنا مجموعة أخرى تستهل الزيارة، ملامحمهم أوروبية بشرة بيضاء وشعر أشقر.

اعتقدنا أن فتاة تتقدمهم جاءت بقصد السياحة الدينية، دنونا منها لنقرأ ما كتبت على بطاقة كانت تعليقها على صدرها. كم كان واضحًا ذلك الشمعدان.

"فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ، والتاتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ، فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى"، إلا نحن.

 

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026