مصر ترحب بقرار هولندا حظر الإتجار بالبضائع والسلع الواردة من المستعمرات    هآرتس: الجيش الإسرائيلي يوسّع مناطق سيطرته في قطاع غزة بما يتجاوز "الخط الأصفر"    نادي الأسير: الاحتلال يعتقل 25 مواطناً على الأقل من بينهم خمس سيدات    المالية: رواتب الموظفين غدآ بنسبة لا تقل عن 50% وبحد أدنى 2000 شيكل    73,305 شهداء و173,918 مصابا في قطاع غزة منذ بدء العدوان    الاحتلال يهدم منزلا ومغسلة مركبات ومزرعتين للمواشي في رافات شمال غرب القدس    الاحتلال يقتحم عبوين ودير جرير ويغلق مدخل المغير    الاحتلال يقتحم بلدة رافات شمال غرب القدس    الاحتلال يقتحم قلقيلية ويعتدي على عمال من غزة ويعتقل 15 منهم    الاحتلال يداهم عمارة سكنية في نابلس وعدة منازل في زواتا غربا    قوات الاحتلال تعتقل شابًا وتفتش مركبات المواطنين في عنزا جنوب جنين    الاحتلال يفرج عن اللواء النتشة عقب تحقيق استمر ساعات    الشيخ يعقد اجتماعا مع قادة الأجهزة الأمنية لمتابعة التطورات الراهنة    هولندا تحظر منتجات المستعمرات اعتبارا من 22 أيلول    غزة: 12 شهيدا بينهم 4 أطفال منذ فجر اليوم  

غزة: 12 شهيدا بينهم 4 أطفال منذ فجر اليوم

الآن

الفارعة: ذاكرة الأسرى "تُطيح" بالسجّان!

 عبد الباسط خلف: أعادت وزارة الإعلام في طوباس، ومركز الشهيد صلاح خلف التابع لوزارة الشباب والرياضة، وعلى ضفاف سنوية انتفاضة العام 1987، بناء لحظات مزدوجة داخل زنازين وساحات تعذيب، ارتبطت بالسجن الذي تحرر من الاحتلال، في لقاء حمل عنوان" ذاكرة للحرية"، وعُقد اليوم.
 فسار رائد جعايصة، وعاصم منصور، وعبد الكريم يونس، ومحمد الشيخ إبراهيم، بعكس عقارب الزمن، وقصّ أربعتهم شهادات وجعهم مع سجن الفارعة، الذي صار أكاديمية للأمل.
 ولا زالت أحزان جعايصة حاضرة، بالرغم من أن مكتبه في متابعة المنشآت الرياضية صار في المكان ذاته، الذي كان محكمة عسكرية لتمديد اعتقال أسرى الحرية، يقول: في نيسان 1982، كنت في الثالثة عشرة، عندما شاهدنا جنود الاحتلال، يحضرون أسلاكاً شائكة، ودوريات، وآليات، إلى المركز القريب من مخيمنا، الذي أقيم أيام الاحتلال البريطاني.
وقتها، كان بعض أهالي المخيم يرددون إشاعة إن هذه الأسلاك، أحضرها الاحتلال من صحراء سيناء بعد انسحابه منها. وبعد وقت قصير، هبطت قرب منازل المخيم، طائرة هيلوكبتر، كانت تقل أرئيل شارون قبل أن يصبح وزيرا للجيش، وعندها تقاطر الأطفال والشبان والأهالي، ليشتبكوا مع جنود الاحتلال. لنشاهد بعد شهر تقريباً، حافلات خضراء، كانت تقل أسرى معظمهم من مخيمي الدهيشة وبلاطة، وتزج بهم في السجن، وتُنكل بهم في افتتاحه.

 لم يكن جعايصة يعلم، أنه سيكون هدفاً للسجانين الذين احتلوا المكان الملاصق لبيته، ففي العام 1986، عمت مظاهرات صاخبة طوباس احتجاجاً على قتل مستوطني "ألون موريه" لشابين من نابلس، فاعتقلنا بعد هجومنا على مركز للشرطة، وحرقنا لعلم الاحتلال، ورفع العلم الفلسطيني.
 يقول: اعتقلت في الفارعة أربع مرات، وتكرر دخولي لهذا السجن في 20 كانون أول عامي 1991، و1993، ولا زلت أتذكر كيف كان الاحتلال يستهدف شبان المخيم، بوضعهم في غرفة رقم(7)، التي صارت اليوم مكتب مدير المركز، للتنكيل بنا، مع تعرض كل دورية للاحتلال لحجارة أطفال الفارعة، وقنابلهم الحارقة. والمحطات كثيرة، ولا تُنسى، لكن أقساها، حينما تصادفت لحظات اعتقالنا مع عاصفة ثلجية هبت على فلسطين في كانون الثاني 1992، وعندها استغل جنود الاحتلال وسجانوه الثلوج لتعذيبنا. ولا أستطيع نسيان لحظات إجبارنا على التعري، في لحظات اعتقالنا، أمام ممرض وممرضة، بحجة الفحص الطبي.
 فيما يسترد عاصم منصور، قصة اعتقاله تسع مرات في السجن ذاته المجاور لمنزله، اختلفت مدتها بين 3 و9و18، و56 يومًا، لكنها تشابهت في التعذيب والإذلال والتنكيل، وبخاصة عندما طلب شربة ماء خلال إحدى جولات التحقيق معه، فأحضر له الجندي مادة(السولار) بدلاً من الماء، وشرب قليلاً منها، قبل أن يتعرف إليها، ويلفظها.
 يقول بصوت يسكنه الألم: كانت الفارعة ساحة تعذيب، ولا أنسى التنكيل بي خلال العاصفة الثلجية عام 1992، حينما أزاح السجان بحذائه العسكري الثلوج من كرسي الشبح المصنوعة من الباطون، وأجلسني عليها، رغم أنني كنت أرتدي ملابس خفيفة. كما أدخلوا علي في الزنازنة متعاوناً معهم، كنت على عداء شخصي معه من خارج المعتقل، وهددني، واستقوى بإدارة السجن عليّ.
 ولا تسقط ذاكرة عبد الكريم يونس، الذي يسكن جنين، أسماء المحققين الذين كانوا يختفون وراء أسماء عربية، واشتهروا ببطشهم وامتهانهم لكرامة الأسرى كـ"نور"، و"أبو علي ميخا"، و"أبو جبل"، و"غدير"، حينما كانوا يبتكرون وسائل إهانة وقهر. لكن لحظة وصوله إلى الفارعة، التي تكررن ثلاث مرات، لم تكن هينة، ففي كل مرة يتجرع فيها المر، وخاصة عند تعرية الأسرى.
 يقول: إنها إهانة كبيرة للكرامة الإنسانية، أن تسير كما ولدتك أمك، أمام ممرض وممرضة، يدعون فحصك الطبي، وينهال عليك السجانون بالضرب، وأنت تخرج من العيادة، عندما تسير في ممر يصطف الجنود من جهتيه، ويركلونك، او يضربونك بالعصي، ويشتمونك بأقبح الألفاظ.
 ومحمد الشيخ إبراهيم، الذي يسكن قرب نابلس، لا ينسى لحظات الفارعة السوداء، ويشبهها بالمسلخ. لكن أقساها، عندما كان يتفنن المحققون في طريقة شبحه، فمرة يربطون يديه وراء ظهره، أو من الأمام، أو يربطونه ويداه معلقتان فوق رأسه، بحلقات من المعدن، كانت مثبته في جدار.
 يقول: إذا أردت أن تعرف معنى التعذيب الذي تتعرض له في سجن الفارعة، فعليك فقط أن تتذكر بعض المحققين، الذين تخصص كل واحد منهم في أسلوب لإهانة كرامتنا، بعضهم كان يمسكنا بقوة في الرأس، وآخر يلطمنا بيده السميكة، وثالث يبحث عن أقبح الألفاظ لإطلاقها على أمهاتنا وأخواتنا، أما رائحة "الكردل" النتنة، وهو الوعاء الأسود الذي كنا نُجبر على قضاء حاجتنا فيه، فهو قصة أخرى.
 ولا زالت جدران الزنازين تحتفظ بتواقيع الأسرى الذين تجرعوا علقمها، ففي "الإكس"، و"الإسطبل" و"الزنزانة" ترى ابن طلوزة، وبجواره، شباناً تركوا بصماتهم من سيلة الحارثية، وبلاطة، وعسكر، وطولكرم، ونابلس، وقلقيلة، وجنين، وغيرها. فيما آثر البعض خط عبارات:"القدس في العيون نفنى ولا تهون"، و" الاعتراف خيانة"، و" لا بد للقيد أن ينكسر". غير أن الفنان رسل أبو صاع، من دير الغصون، بجوار طولكرم، اختار أن يرسم جدارية على واجهة السجن، تشير إلى تاريخ أسره في 25 نيسان 1983، وهي اللوحة ذاتها التي حرص أبنه علاء على ترميمها، بعد رحيل والده.
 ويقول مدير مركز صلاح خلف، المنبثق عن وزارة الشباب والرياضة مروان وشاحي، إن الفارعة كسجن تحول إلى مركز شبابي، يُقدّم رسالة إصرار وإرادة على قهر السجان والمحتل. فيما يشير إلى محاولات جادة لتحويل المكان إلى متحف تفاعلي، لأنه يحمل ذاكرة ما تعرض له شعبنا من قهر وتعذيب، تشارك فيها أسرى سابقون ومؤسسات بحثية، ودارسون أجانب، أعد بعضهم أطروحة ماجيستير حول السجن، وتاريخه الشفوي، وألوان التعذيب التي عاشها شعبنا في سجن صار مركزاً لتأهيل الشباب وتدريبهم، وتحولت غرفه وساحاته إلى مكان يبعث على الأمل.
 

 

 

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026