التصحر الثقافي وصفة للهزيمة
لم تؤلف "حماس" طوال سبعة عشر عاما من حكمها لقطاع غزة، أي بيئة ثقافية تستند إليها إذا ما جار عليها الزمن، وقد جار اليوم، فلا تجد أحدا تقريبا في القطاع يقبل منها خطابا، أو يربت على أكتافها، ويعزيها بتآكل مشروعها الذي بات في ذمة التاريخ، بعد أن بصمت بلا تردد، على شروط وقف إطلاق النار، التي جعلتها تتنكر لكل أهداف "الطوفان" التي كان فقيدها الضيف، أعلنها في خطاب تعلق بكل عبارات الحسم المطلقة ....!!!
لم تؤلف "حماس" تلك البيئة، وما كان لها أي حضور ثقافي، أو معرفي، يغذي الأمل ويدعو للتنور، والتفتح، بالسرد، والقصيدة، والأغنية، واللوحة، لا بل إنها أغلقت قطاع غزة على جملة من خطب الوهم الإنشائية، التي صورت القطاع قلعة نووية ستهزم إسرائيل، وتحرر فضاء العرب من غطرسة طيرانها الحربي ..!! لم يدر في بال "حماس" وفكرها أن فلسطين ظلت وما زالت تتوهج قضية إنسانية عادلة لو لم تؤلف بيئتها الثقافية، التي احتضنت تضحايتها العظيمة وعبرت عنها بالنص الإبداعي وقد بات سردا، وقصيدة، وأغنية، ولوحة، وبالنص البحثي، والعلمي، وقد بات فكرا في السياسية، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، حين الصبر فلسفة، كما رأه الرئيس أبو مازن، في مؤلف أوضح فيه الطريق من الثورة إلى الدولة، لم يدر في خلد "حماس" أن فلسطين ما كان لها أن تبقى قضية حية، وعصية على الشطب والنسيان، وأن شعبها ما كان له أن يتمسك بأرضه، وحقوقه، وما كان له أن يقاوم كل محاولة لشطبه، ووطنه، لولا أن له حضورا ثقافيا لافتا، كرس سرديته التاريخية، الحضارية، والإنسانية، بمصداقية الجرح والصمود، حتى قال شاعره "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" ومن ذلك "تردد أبريل، رائحة الخبز في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس، أول الحب، عشب على حجر، أمهات يقفن على خيط ناي، وخوف الغزاة من الذكريات " وأيضا "خوف الطغاة من الأغنيات" .
سبعة عشر عاما من سلطة "حماس" في قطاع غزة لم تخلف غير التصحر الثقافي، والتحجر المعرفي، والأخطر لم تنتج من لغة غير لغة الكراهية، والضغينة، التي صبتها على الوطنية الفلسطينية، عبر وسائلها، ومنصاتها الإعلامية المنوعة...!! سبعة عشر عاما ذهبت خلالها "حماس" في كل طريق، ما عدا الطريق الثقافي الموصل للدارة الوطنية، لإدراك قيمها ومفاهيمها، التي لا سبيل للحفاظ عليها، دون قصيدة رأت في الجراح سفنا للرجوع، وبلا أغنية كفنت بعلم فلسطين جثمان الشهيد، حتى صار زينة رايات الأمم.
لم تعرف "حماس" معنى ما قاله الزعيم الخالد ياسر عرفات، أن "الثورة ليست بندقية ثائر فحسب، بل هي معول فلاح، ومشرط طبيب، وإبرة تطريز، وقلم كاتب، وريشة شاعر" ولم تعرف معنى، وقيمة خطاب السلام، الذي كرسه الرئيس أبو مازن، بوصفه خطابا حضاريا في المقام الأول، وتعبيرا عن سلامة الثقافة الفلسطينية وحقيقة تنورها الإنساني، الكاره للعنف والعدوان، والساعي للتعايش الآمن، والاستقرار المنتج للازدهار .
لم تزرع حماس بخطابها المغلق على الضغينة والوهم، غير الريح، وها هي اليوم لا تحصد سوى العاصفة، التي أطاحت بخطابها وطوفانها معا ...!!!.


2025-11-02 | 10:15
1221