اتصل بنا

الآن

فتح بين النقد والتطبيل… حين تصبح المسؤولية التنظيمية امتحاناً للوفاء

*بقلم الدكتور قتيبة مسلم أبو حمدي*
ليست حركة فتح حزباً عابراً في سجل الأحزاب، وليست مجرد إطار تنظيمي يتسع حين تتفق المصالح ويضيق حين تتباين المواقف. فتح فكرة وطنية، وتجربة نضالية وتاريخ من التضحيات، ومدرسة سياسية قامت على التعددية والاجتهاد، وعلى أن فلسطين أكبر من الأشخاص، وأن المشروع الوطني أكبر من المواقع والمناصب والاعتبارات الفئوية.
ومن هنا، فإن ما نشهده من سجالات داخل البيت الفتحاوي يستدعي وقفة مسؤولة، لا دفاعاً أعمى عن قرار، ولا هجوماً أعمى على معترض، وإنما دفاعاً عن حق الاختلاف، وعن ضرورة أن يكون النقد أداةً للتصويب والبناء، لا وسيلةً لتصفية الحسابات أو صناعة البطولات الوهمية على حساب الحركة وتاريخها.
 أولاً: بين المطبلين والمزمرين والناقدين بلا حدود
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر وطني هو أن تنقسم إلى فريق يصفق لكل قرار، وفريق يرفض كل قرار، وفريق ثالث يجعل من النقد غايةً في ذاته، بصرف النظر عن المصلحة الوطنية والتنظيمية والظروف التي أُخذ فيها القرار.
لسنا بحاجة إلى مطبلين يعطلون العقل، ولا إلى مزمرين يحولون القيادة إلى معصومة من الخطأ، كما أننا لسنا بحاجة إلى نقاد يتعاملون مع كل اجتهاد سياسي باعتباره خيانة، ومع كل قرار تنظيمي باعتباره مؤامرة، ومع كل اختلاف باعتباره مناسبةً لتسجيل النقاط.
إن القيادة ليست فوق النقد، والقرار ليس فوق المساءلة، لكن النقد نفسه ليس فوق المسؤولية. فمن حق كل فتحاوي أن يسأل، وأن يعترض، وأن يطالب بالتوضيح والمراجعة، ومن حقه أن يختلف مع القيادة في تقدير الموقف. غير أن من حق الحركة أيضاً أن تسأل: هل يُمارس هذا النقد انطلاقاً من رؤية وطنية متكاملة، أم من انتقائية في المواقف، أم من حسابات لا علاقة لها بمصلحة فتح ومشروعها الوطني؟
إن الفرق كبير بين من ينتقد ليصحح المسار، ومن ينتقد ليهدم الثقة بكل المسارات؛ وبين من يختلف ليقترح بديلاً، ومن يرفع صوته من دون أن يقدم تصوراً مسؤولاً للخروج من الأزمة.
 ثانياً: تأجيل الانتخابات… أين النقاش الوطني المتكامل؟
إن مسألة تأجيل الانتخابات ليست قضية يجوز اختزالها في شخص الرئيس محمود عباس، ولا في موقف فردي يُنسب إلى هذا المسؤول أو ذاك. إنها قضية سياسية ووطنية وتنظيمية تستوجب البحث في ظروفها، ومبرراتها، والبدائل الممكنة، وانعكاساتها على النظام السياسي الفلسطيني، وعلى حق المواطنين في اختيار ممثليهم وتجديد الشرعيات عبر صناديق الاقتراع.
لقد كان من الضروري أن يُفتح نقاش جاد حول القرار، وأن تُعرض مبرراته على الرأي العام، وأن تخضع تقديراته للمراجعة والمساءلة، وأن يُبحث عن السبل التي تضمن عدم تحوّل التأجيل إلى حالة دائمة أو إلى بديل عن الانتخابات.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح هو: لماذا يُختزل النقاش أحياناً في شخص الرئيس أبو مازن، بينما تُهمَل الأسئلة الأكبر المتعلقة بمستقبل النظام السياسي، وبوحدة المؤسسات، وبشروط إجراء الانتخابات، وبمسؤولية مختلف القوى الفلسطينية عن الوصول إلى حالة الانقسام السياسي؟
وأين تقف المواقف النقدية من حركة حماس، ومن حركة الجهاد الإسلامي، ومن الجبهة الشعبية، ومن سائر القوى الفلسطينية، في القضايا المتعلقة بوحدة النظام السياسي، والمرجعية الوطنية، وآليات الشراكة، والانتخابات، والاحتكام إلى المؤسسات؟
إن هذه الأسئلة لا تعني إعفاء أي طرف من المسؤولية، ولا افتراض أن مواقف تلك القوى متطابقة، بل تعني أن النقد الوطني الجاد ينبغي أن يكون شاملاً ومتوازناً، وأن يتناول مواقف الجميع وفق معيار واحد، لا وفق هوية الشخص أو الجهة المستهدفة.
ولا يجوز أن تتحول الشراكات أو التحالفات السياسية، أياً كانت طبيعتها، إلى سبب لتعطيل المساءلة، كما لا يجوز أن يصبح الخلاف مع الرئيس مبرراً لتجاهل مسؤوليات الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تُبنى بالصمت عن الأخطاء، ولا تُحمى بتوزيع الاتهامات بصورة انتقائية، وإنما بتطبيق معيار واحد على الجميع.
 ثالثاً: الرئيس أبو مازن والقرار الفتحاوي الجماعي
إن الاختلاف مع الرئيس محمود عباس حق سياسي وتنظيمي، كما أن انتقاد سياساته وقراراته حق لا يجوز مصادرته. لكن تحويل كل قرار فتحاوي إلى قرار شخصي للرئيس، ثم تحميله وحده كامل المسؤولية عن خيارات تُناقش وتُتخذ ضمن الأطر القيادية، يُفرغ العمل التنظيمي من معناه، ويُضعف مفهوم المسؤولية الجماعية.
إذا كان القرار قد اتُّخذ بصورة جماعية، فإن المسؤولية السياسية والتنظيمية ينبغي أن تُناقش في ضوء محاضر الاجتماعات، والآليات المعتمدة، والمواقف المعلنة، ومدى التزام المؤسسات بأصول اتخاذ القرار. وإذا كانت هناك اعتراضات أو تحفظات داخل الأطر القيادية، فمن حق القواعد التنظيمية أن تطالب بتوضيحها، ومن واجب القيادة أن تشرح موقفها بالقدر الذي تسمح به الأصول التنظيمية والمصلحة العامة.
أما أن نُحمّل شخصاً واحداً كل تبعات القرار، ثم نُعفي بقية المشاركين في صنعه من النقاش والمساءلة، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يرسخ ثقافة المسؤولية.
إن احترام الرئيس لا يعني منحه حصانة من النقد، كما أن نقد الرئيس لا يمنح أحداً حصانة من المساءلة. المعيار هو الحقيقة، والوقائع، والمسؤولية، واحترام المؤسسة.
 رابعاً: لا أحد فوق النقد… ولا أحد فوق المساءلة
لقد تربينا في مدرسة فتح على أن الاختلاف ليس خروجاً عن الصف، وأن الحوار ليس ضعفاً، وأن مراجعة التجربة ليست انتقاصاً من تاريخها. لكننا تعلمنا أيضاً أن التنظيم ليس ساحة مفتوحة للفوضى، وأن الحرية لا تعني إطلاق الاتهامات بلا دليل، وأن الخلاف لا يبرر تشويه الأشخاص أو تزييف الوقائع.
إن الاجتماعات التنظيمية ليست شكليات، بل هي المكان الطبيعي لطرح الاعتراضات، ومناقشة القرارات، وتقديم البدائل، ومحاسبة المسؤولين. وإذا تعذّر الوصول إلى توافق، فإن ذلك لا يلغي حق الأقلية في إبداء رأيها، ولا يعفي الأغلبية من واجب الاستماع والتفسير والمراجعة.
كما أن النقد العلني قد يكون ضرورياً في ظروف معينة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشأن العام أو حين تتعطل قنوات الحوار، لكنه يحتاج إلى الدقة والإنصاف، وإلى التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الاعتراض المشروع والاتهام الذي يحتاج إلى دليل.
فلا أحد فوق النقد، ولا أحد فوق المساءلة، ولا يجوز أن تتحول المسؤولية التنظيمية إلى درع يحمي الأخطاء، أو أن يتحول شعار الحرية إلى غطاء للتشهير والتضليل.
 خامساً: باسم الشعب والمرأة والشباب… من يمنح نفسه حق احتكار الحقيقة؟
إن الشعب الفلسطيني ليس لافتةً يرفعها هذا الطرف في وجه ذاك، والمرأة الفلسطينية ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، والشباب ليسوا وقوداً للسجالات ولا ديكوراً في معارك المواقع.
الشعب صاحب الحق في المساءلة والمشاركة وصناعة القرار. والمرأة شريكة أصيلة في النضال الوطني وفي بناء المؤسسات. والشباب أصحاب حق في التمثيل والتجديد وتكافؤ الفرص، لا مجرد عناوين تُستدعى عندما يحتاج البعض إلى تبرير موقفه.
إن من يدافع عن حقوق المرأة والشباب مطالب بأن يترجم ذلك إلى برامج ومشاركة حقيقية وآليات ديمقراطية، لا أن يحتكر الحديث باسمهم. ومن يرفع شعار الشعب مطالب بأن يحترم وعي الشعب وحقه في معرفة الحقائق، لا أن يصادر إرادته بادعاء تمثيله وحده.
إن الكذب، والاحتيال على الوعي العام، وتوظيف القضايا الوطنية والاجتماعية في صراعات المصالح، لا يبني وطناً، ولا ينصر ثورة، ولا يحمي حركة تحرر. بل يوسع الفجوة بين الناس ومؤسساتهم، ويحوّل القضايا العادلة إلى أدوات في معارك لا تنتهي.
 سادساً: إلى الفتحاويين… قيّموا وغيّروا، لكن لا تقتلوا الفكرة
يا أبناء فتح، يا رفاق الدرب، ويا من حملتم هذه الحركة في قلوبكم قبل أن تحملوا أسماءكم على بطاقاتها التنظيمية؛ إن من حقكم أن تطالبوا بالتغيير، وأن تحاسبوا المقصر، وأن ترفضوا الاستئثار بالقرار، وأن تدافعوا عن الديمقراطية وتجديد الحياة التنظيمية.
بل إن التقييم والمراجعة والتغيير ليست ترفاً، وإنما ضرورة لبقاء الحركة قادرة على تجديد نفسها واستعادة ثقة أعضائها وجماهيرها.
لكن احذروا أن يتحول الغضب من الأشخاص إلى غضب على الفكرة، وأن يصبح الاعتراض على الأخطاء رفضاً للتاريخ كله، وأن تنتهي الخصومة مع هذا المسؤول أو ذاك إلى إضعاف فتح ذاتها.
غيّروا ما يحتاج إلى تغيير، وصوّبوا ما يحتاج إلى تصويب، وافتحوا الأبواب أمام الأجيال الجديدة، وامنحوا المرأة والشباب مكانتهم المستحقة، وطالبوا بقيادة تسمع وتراجع وتحاسب. لكن لا تجعلوا من خلافاتنا جسراً لتفكيك المؤسسة الوطنية، ولا تسمحوا بأن تتحول حركة صنعت حضورها بالتضحيات إلى ساحات متقابلة تتبادل الاتهامات وتنسى فلسطين.
أما السيد الرئيس أبو مازن، وسائر القيادات الفلسطينية، فإن مكانتهم السياسية لا ينبغي أن تُحمى بتعطيل النقد، وإنما باحترام الحقائق، ووضوح المسؤوليات، والاحتكام إلى المؤسسات، وتجديد الثقة عبر الأداء والمساءلة.
فالحكمة الفلسطينية ليست ملكاً لشخص واحد، ولا حكراً على قيادة بعينها؛ إنها حصيلة تجربة شعب بأكمله، تراكمت عبر الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين والمثقفين والعمال والفلاحين والنساء والشباب.
 سابعاً: لست بوقاً لأحد… لكنني لا أساوم على إرث فتح
أقولها بوضوح، ومن موقع المسؤولية والحرص على تاريخ هذه الحركة: لم أكن، ولن أكون، بوقاً لأي مستوى سياسي، ولن أتعامل مع المواقف باعتبارها أوامر للتصفيق أو مناسبات للهجوم.
لقد علّمتني سنوات النضال والأسر أن قيمة الإنسان ليست في ارتفاع صوته، وإنما في ثبات مبدئه؛ وأن الانتماء ليس شهادة إعفاء من السؤال، وإنما التزام مضاعف بالمسؤولية؛ وأن التاريخ لا يُصان بتجميد الحياة التنظيمية، بل بحماية جوهر الفكرة من التشويه والانتهازية والتوظيف.
إن حرصي على فتح ليس دفاعاً عن خطأ، ولا تفويضاً مطلقاً لقيادة، ولا خصومة مع معترض. إنه حرص على ألا نخسر البوصلة ونحن نختلف على الطريق، وألا نهدم البيت ونحن نطالب بإصلاحه، وألا نُسلم تاريخنا النضالي إلى معارك ضيقة تنتهي بانتصار شخص وخسارة الفكرة.
لقد دفع شعبنا أثماناً باهظة كي يبقى مشروعه الوطني حياً. ومن الوفاء لتلك التضحيات أن نحمي مؤسساتنا من الفساد والاستئثار، وأن نحمي اختلافنا من التحول إلى عداوة، وأن نحمي نقدنا من الانزلاق إلى التضليل، وأن نحمي فتح من كل ما يبدد وحدتها أو ينتقص من دورها الوطني.
*فتح أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من لحظة خلاف. لكنها ليست أكبر من النقد، ولا معفاة من المساءلة، ولا محصنة ضد التغيير.*
تلك هي المعادلة التي ينبغي أن تجمعنا: لا تقديس للأشخاص، ولا شيطنة للمعترضين، ولا ازدواجية في المعايير، ولا صمت عن الخطأ، ولا تخلٍّ عن الفكرة.
*نريد فتح التي تسمع وتُراجع وتُحاسب وتتجدد؛ فتح التي تحترم تاريخها من دون أن تسجن مستقبلها فيه، وتحمي وحدتها من دون أن تصادر حق أبنائها في الاختلاف.*
فمن أراد فتح قوية، فليدافع عن مؤسساتها. ومن أرادها ديمقراطية، فليحترم النقد والمساءلة. ومن أرادها وفية لشهدائها وأسراها، فليصن إرثها النضالي. ومن أراد التغيير، فليقدمه مشروعاً لا ضجيجاً، وبرنامجاً لا شعارات، ومسؤوليةً لا ادعاءً باحتكار الحقيقة.
*إن الوفاء لفتح ليس أن نصفق لكل قرار، بل أن نمنع الخطأ من أن يصبح نهجاً، والخلاف من أن يصبح انقساماً، والنقد من أن يصبح معولاً يهدم الفكرة التي ناضلنا من أجلها.*

re

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House™ جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026