اتصل بنا

الآن

اللواء رائدة الفارس «أم جواد»... حين تحمل المرأة ذاكرة الفدائيين في قلبها، وتحمل الأرض في يديها

قتيبة مسلم

 

حكاية امرأة من زمن الفدائيين، وزوجٍ عرف مرارة الشتات، وابنٍ حمل اسم شهيد، وذاكرة فتحاوية ما زالت ترى في الإنسان كرامته الأولى، وفي الأرض حكاية وطن لا تنتهي.
هناك نساءٌ لا تُعرَف حكاياتهن من مناصبهن وحدها، بل من الطريق الطويل الذي مشينه، ومن الأبواب التي طرقنها، ومن الوجع الذي حوّلنه إلى قدرة على العطاء. واللواء رائدة الفارس، أم جواد، واحدة من تلك النساء اللواتي يحملن في سيرتهن ملامح مرحلة فلسطينية كاملة؛ مرحلة كان فيها الفدائي يحمل وطنه في حقيبة صغيرة، ويخبئ في قلبه بيتاً لم يكن يعرف متى يعود إليه.
إنها المرأة التي لم تفصل بين النضال والإنسانية، ولا بين المسؤولية ووجع الناس؛ فهي، بصفتها مسؤولة المساعدات الإنسانية في مكتب السيد الرئيس محمود عباس «أبو مازن»،  تقف عند المسافة التي ينبغي ألا تطول أبداً بين صاحب الحاجة وباب المسؤولية، وبين وجع المخيم وصوت الدولة، وبين العائلة التي أثقلها الفقر والوطن الذي يصرّ على أن يحفظ كرامة أبنائه.
وراء هذه المرأة حكاية بيتٍ عرف معنى الفدائيين، وحكاية زوجٍ عاش مرارة الشتات والتشرّد، حين لم يكن المنفى مجرد مكان بعيد، بل امتحاناً يومياً للذاكرة والهوية والحق في العودة. فالشتات الفلسطيني لم يكن حقائب سفر فحسب؛ كان طفولةً مؤجلة، وبيوتاً بقيت في الوجدان، وأمهاتٍ ينتظرن، ورجالاً يتنقلون بين المنافي وهم يحملون فلسطين كما يحمل المرء اسمه الأخير.
وفي تسمية ابنها جواد باسم الشهيد البطل جواد أبو شعر، تتجلى دلالة الوفاء لذاكرة الشهداء، حيث لا تكون الأسماء حروفاً عابرة، بل عهداً بين جيلٍ مضى وجيلٍ جاء، ورسالةً تقول إن الشهداء لا يغادرون وجدان شعبهم، وإن أسماءهم تبقى حاضرة في البيوت الفلسطينية، تُروى للأطفال كي يعرفوا أن للوطن رجالاً دفعوا من أعمارهم ودمائهم ثمن الحلم بالحرية.
لم تكن تلك التسمية، في معناها الوطني، مجرد اختيار لاسم؛ إنها صلة رمزية بين الذاكرة والحاضر، بين دمعة الأم وكرامة الأرض، وبين الحكاية التي رواها الفدائيون والواجب الذي تركوه للأجيال من بعدهم.
 فتح التي عرفناها... حين كان الفدائي اسماً لمعنى الوطن
حين نستعيد حركة فتح في زمن قادتها العظام، نستعيد مرحلةً صنعت فيها التضحيات ملامح الهوية الوطنية، وكان فيها أبو جهاد، وخليل الوزير، وأبو إياد، وصلاح خلف، وأبو الهول، وأبو علي إياد، وسواهم من القادة والمناضلين، جزءاً من ذاكرة شعبٍ أراد أن يستعيد قراره الوطني، وأن ينتقل من التشرّد إلى الحضور، ومن حكاية اللجوء إلى مشروع الدولة.
كانت فتح، في وجدان أجيالها الأولى، أكثر من تنظيم سياسي؛ كانت فكرةً عن فلسطين، وعن الإنسان الذي لا يتنازل عن حقه، وعن الفدائي الذي يحمل البندقية بيد، ويحمل في اليد الأخرى صورة أمه ومفتاح بيته ووصية رفاقه.
وفي تلك الذاكرة، تبدو طهارة الأكف تعبيراً عن نزاهة المناضل، وعن بساطة عيشه، وعن شعوره بأن الموقع تكليف، وأن المسؤولية ليست امتيازاً، وأن قيمة القائد تُقاس بما يقدمه لشعبه، لا بما يحصّله لنفسه. لقد كان الفدائي، في صورته النبيلة، إنساناً يعرف أن الطريق إلى فلسطين لا يُختصر بالشعارات، بل بالصبر والتضحية والوفاء للناس.
ومن هنا، فإن استحضار اللواء أم جواد لتلك المرحلة لا يعني البكاء على زمن مضى، بل استعادة المعايير التي ينبغي أن تبقى: الوفاء للشهداء، وصون كرامة الأسرى، وحماية العائلات المستورة، والوقوف إلى جانب المزارعين، وعدم ترك أهل المناطق المهددة بالاستيطان يواجهون مصيرهم وحدهم.
إن فتح التي نريدها هي فتح الفكرة والموقف والعمل، فتح التي تتسع لأبنائها، وتستعيد وحدتها، وتجعل من خدمة المواطن مقياساً لصدق الانتماء. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الرجال لأنهم جلسوا في الصفوف الأولى، بل لأنهم تركوا في حياة الناس أثراً لا تمحوه السنوات.
أبو مازن في حديث أم جواد... إنسانية المسؤول وحرمة الإنسان
وحين تحدثت اللواء رائدة الفارس عن السيد الرئيس محمود عباس «أبو مازن»، كما يبرز من تجربتها في العمل الإنساني، حضرت صورة المسؤول الذي ينبغي أن تكون بوصلته الإنسان الفلسطيني؛ ذلك الإنسان الذي لا يجوز أن يُترك وحيداً أمام الفقر، أو المرض، أو فقدان الابن، أو قسوة الاحتلال.
إن قيمة العمل الإنساني لا تقف عند تقديم المساعدة، بل تمتد إلى صون كرامة من يتلقاها، وحفظ حرمته، وعدم تحويل حاجته إلى منّة، ولا ألمه إلى صورة عابرة. فالإنسان الفلسطيني ليس رقماً في سجل المساعدات؛ إنه صاحب حق، وصاحب حكاية، وصاحب وطن يستحق أن يعيش فيه بكرامة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة أم جواد معناها؛ فهي تعرف، بحكم مسيرتها الوطنية والإنسانية، أن خلف كل طلب مساعدة عائلةً تخوض معركة البقاء، وأن وراء كل قرية مستهدفة حكاية أرضٍ وأطفالٍ ومدرسةٍ وشجرة زيتون.
وهنا تلتقي إنسانية المسؤولية مع وعي القيادة: أن تصل المساعدة إلى مستحقها، وأن تُفهم الحاجة قبل أن تُكتب في تقرير، وأن يُصغى إلى الناس قبل أن تتراكم أوجاعهم. وقد أكدت تقارير فلسطينية رسمية دور اللواء رائدة الفارس في متابعة المساعدات الإنسانية وتقديم الدعم لعائلات الشهداء والفئات المحتاجة.
 زيارة تحمل رسالة وفاء للأرض والإنسان
في هذا السياق، جاءت زيارتنا  كابناء لحركة فتح  ، إلى الأخت المناضلة اللواء رائدة الفارس «أم جواد»، عضو مجلس التعبئة والتنظيم لحركة فتح، ومسؤولة المساعدات الإنسانية في مكتب السيد الرئيس محمود عباس «أبو مازن».
لم تكن الزيارة مجاملةً بروتوكولية، ولا لقاءً يُضاف إلى سجل العلاقات العامة، بل حملت مغزى وطنياً واجتماعياً واضحاً: وصل الميدان بمؤسسات المسؤولية، ونقل صوت التجمعات الفلسطينية المستهدفة إلى الجهات المعنية، وبحث الاحتياجات التي لا تحتمل التأجيل، في ظل ما تواجهه القرى والتجمعات الفلسطينية من اعتداءات استيطانية وضغوط تهدد الأرض والحياة اليومية.
وقد تناول اللقاء عدداً من الملفات المهمة، وفي مقدمتها:
* ملف المعلمين والمعلمات في قلعة المغير: بما يتصل باحتياجاتهم وظروف عملهم، وضرورة دعم استمرار العملية التعليمية، وحماية حق الأطفال في الوصول إلى التعليم في بيئة آمنة وكريمة.
* احتياجات أهالي المغير: ومتابعة المتطلبات الإنسانية والاجتماعية للعائلات، بما يعزز صمودها ويخفف من أعبائها في مواجهة الظروف الصعبة.
* النقاط الساخنة المستهدفة بالاستيطان: والوقوف على احتياجات المواطنين في المناطق المهددة، وسبل تعزيز حضور المؤسسات الوطنية إلى جانبهم.
* التكامل بين العمل التنظيمي والإنساني والميداني: من أجل تحويل مطالب المواطنين إلى ملفات متابعة عملية، وربط جهود حماية الأرض بتوفير مقومات الصمود اليومي. 
* موضوع منحة الحج لشهداء المغير.
إن قلعة المغير ليست مجرد اسم على خارطة جغرافية؛ إنها حكاية ناسٍ يريدون أن يزرعوا أرضهم، وأن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس، وأن يناموا دون خوف من اقتلاع شجرة أو الاعتداء على منزل أو إغلاق طريق. وحين يكون المعلم مهدداً في أمنه أو استقراره، فإن المسألة لا تتعلق به وحده، بل بمستقبل جيل كامل وبحق مجتمعٍ في أن يتعلم ويعيش ويواصل بناء حياته.
ومن هنا، فإن الاهتمام بالمعلمين والمعلمات في المغير هو دفاع عن المدرسة بوصفها إحدى ركائز البقاء، كما أن متابعة احتياجات الأهالي هي دفاع عن حقهم في الحياة الكريمة، وأن الوقوف إلى جانب التجمعات المستهدفة هو تأكيد أن حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان الذي يعيش عليها.
 خاتمة: الفدائي الذي يبقى فينا
في نهاية الحكاية، نعود إلى أم جواد؛ إلى المرأة التي تجمع في اسمها صورة الأم والمناضلة والمسؤولة، وإلى زوجٍ عرف قسوة الشتات، وإلى اسم جواد الذي يستدعي ذاكرة الشهيد، وإلى فتح التي أنجبت رجالاً ونساءً آمنوا بأن فلسطين ليست قضية جيل واحد، بل أمانة تتناقلها الأجيال.
ونعود إلى ذلك الفدائي القديم، الذي لم تكن طهارة كفّيه في صورةٍ معلقة على الجدار، بل في إيمانه بأن كرامة الإنسان لا تُشترى، وأن الأرض لا تُحمى بالشعارات وحدها، وأن الوفاء الحقيقي يكون حين يجد الفلاح من يقف إلى جانبه، والمعلم من يحمي حقه، والطفل مدرسته، والأسرة المحتاجة يد العون التي تصون كرامتها.
إن زيارة الدكتور قتيبة مسلم أبو حمدي والأخت ليندا مسلم «أم المجد» إلى اللواء رائدة الفارس «أم جواد» تفتح نافذة على هذا المعنى: أن تبقى فتح قريبة من الناس، وأن تتصل حماية الأرض بالعمل الإنساني، وأن تتقدم احتياجات المغير وسائر النقاط الساخنة إلى واجهة الاهتمام والمتابعة.
فالأوطان لا تصمد بالأرض وحدها، ولا بالذاكرة وحدها؛ إنها تصمد بالإنسان الذي يحرس أرضه، وبالمعلم الذي يفتح باب المدرسة، وبالأم التي تزرع في أبنائها معنى الوطن، وبالمسؤول الذي يرى في خدمة الناس واجباً لا امتيازاً.
سلامٌ على أم جواد، وعلى كل امرأة جعلت من وجعها قدرةً على العطاء، وعلى الفدائيين الذين تركوا لنا أسماءهم ووصاياهم، وعلى فلسطين التي ما زالت تنتظر من أبنائها أن يكونوا أوفياء للأرض والإنسان معاً.
الدكتور قتيبة مسلم ابو حمدي
مساعد المفوض العام للعلاقات الوطنية لحركة فتح .
ومسؤول لجنة مواجهة الاستيطان وحماية الأرض بالمفوضية.
وعضو مجلس التعبئة والتنظيم  بحركة فتح.
الاستاذه ليندا مسلم عضو لجنة مواجهةالاستيطان في مفوضية العلاقات الوطنية. ولجنة مواجهة الاستيطان في المجلس الثوري لحركة فتح

re

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House™ جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026