النفط يسجل أعلى مستوى منذ عامين    مستعمرون يستولون على ممتلكات لمواطنين في تجمع "خلة السدرة" قرب مخماس    الشيخ: تصعيد إرهابي كبير من المستعمرين ونطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لشعبنا    الرئاسة تدين جرائم المستعمرين بحق شعبنا وتطالب بتدخل دولي لوقفها    الاحتلال يحتجز مواطنين ويحولا منزلا لثكنة عسكرية في قصرة جنوب نابلس    شهيد ثالث في أبو فلاح شمال شرق رام الله    تجدد غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت    في يوم المرأة العالميّ.."فتح": المرأة الفلسطينيّة نموذج حيّ في الصبر والإنجاز وشريك أساسيّ في بناء مؤسسات الدولة    الاحتلال ينذر بإخلاء 4 أحياء كبرى في الضاحية الجنوبية بلبنان    الاحتلال يصعد عدوانه على الضفة: تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية وحملات اعتقال واسعة لليوم السادس    الاحتلال ينصب حاجزا عسكريا في الرام    إصابة 3 أطفال بجروح ورضوض في اعتداء للمستعمرين بمسافر يطا جنوب الخليل    الاحتلال يقتحم بيت لحم ويتمركز في عدة أحياء    "التربية": الإعلان عن آلية الدوام للمدارس ورياض الأطفال والجامعات والكليات يوم الأحد المقبل    "جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025  

"جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025

الآن

طقاطقة والحلم المأسور

حمزة الحطاب
في منزل متواضع بدت عليه علامات الحداثة، يعيش الشاب علي ماجد طقاطقة (20 عاماً) من بلدة علاّر في محافظة طولكرم، ويتقاسم مع أبويه وشقيقه وشقيقتيه أركان المنزل الصغير الذي لا تتجاوز مساحته المائة وعشرة أمتار، وتزدان جدرانه بشهادات الأبناء المدرسية التي تخبر عن تميزهم الأكاديمي.
حياة العائلة منذ تكونت تميزت بالاستقرار والبساطة حتى تاريخ الرابع من كانون الثاني (يناير) 2012، عندما تفاجأ سكان المنزل برتل من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يحاصرون المنزل ويطالبون بفتح الأبواب تمهيدا لإخضاع المنزل وساكنيه للتفتيش.
أم علي طقاطقة الأربعينية التي سارعت للملمة أبنائها إلى صدرها تفاجأت بعدد الجنود لتؤرخ تلك الليلة في ذاكرتها، ولتصعق لاحقاً من السبب الذي قدموا من أجله.
تقول: "في العادة أبنائي يسهرون لفترة متأخرة من الليل، وذلك لمتابعة دراستهم كونها فترة امتحانات، وعندما يذهبون للنوم يوقظوني لأصلي قيام الليل. تنبهت أثناء الصلاة لأصوات جاءت من الخارج، ظننت في بادئ الأمر أنها أصوات الجيران، وبعد فترة ازدادت قوة الصوت القادم من الخارج، أيقنت أن الأمر مختلف تماماً عما ظننت، لحظات وإذا بالباب يقرع بقوة، ناديت من خلف الباب فجاء الصوت (افتح جيش). استيقظ ابني الأصغر ووقف بجانبي وفتحنا الباب، ظننتُ أنهم يقومون بحملة تفتيش لكل بيوت البلدة ولم يتهيأ لي أن تكون هذه القوات والتعزيزات، وكل هؤلاء الجنود من أجل علي ابني. سأل الضابط عن علي، فأخبرناه بأنه نائم من فترة بسيطة إذ كان يدرس، فطلب الذهاب لغرفته وإيقاظه وطلب من جنوده تفتيش المنزل بشكل كامل، فجمعوا أجهزة الحاسوب جميعها وذاكرات التخزين الإضافية وجميع الكتب والأوراق الجامعية. استمر التفتيش لما يزيد عن ساعتين، وخلال تلك الفترة كان أحد الجنود لا يكفُ عن توجيه الأسئلة لعلي عن مشروع تخرجه، فكان من الأسئلة لماذا تطرح مشروع تخرجك وأنت ما زلت في سنتك الجامعية الثانية؟ أليس من المبكر التفكير بمشروع التخرج؟ أتعتقد أن لديك القدرة على إنجاز المشروع؟، وبعد كيل من هذه الأسئلة وغيرها طلب من علي تجهيز نفسه لأنهم سيأخذونه معهم، وهذا أكثر ما فجعني، صرخت أين تأخذونه ولماذا؟.
علي طقاطقة صاحب الجسم الهزيل والمثقل من سهر الليالي بسبب الدراسة، عصبت عيناه بعدما قيدت يداه وقدماه ووسط صراخ الجنود المتزايد عليه داخل الحافلة التي نقل فيها من أمام منزله، وضربهم المتكرر له على قدميه وصل لمكان الاحتجاز وهو سجن "الجلمة"، ليبدأ فصل جديد في حياة الشاب الجامعي.
يقول علي عن فترة احتجازه التي استمرت لشهر كامل: "احتجزت داخل غرفة مغلقة إضاءتها قوية أثرت كثيراً على عيني، وطوال فترة التحقيق كنت مقيدا في مقابض بلاستيكية شدت بإحكام على كلتا يدي. كان الرعب والخوف يطوقاني بالكامل. سبب اعتقالي هو مشروع  تخرجي وهو (صناعة طائرة بدون طيار) يتم التحكم فيها من خلال الحاسوب، وقررت إنجاز هذه الفكرة كوني أدرس هندسة حاسوب ولتكون مشروعا مميزا هو الأول من نوعه، وخلال أربعة شهور من طرح الفكرة بيني وبين زملائي تم اعتقالي، حتى أنني لم أتمكن من طرحها على الهيئة التدريسية في الجامعة. أم سبب طرحي للموضوع مبكراً فيكمن في أن المشروع كبير وضخم وهو بحاجة للبدء بإنجازه مبكرا لكثرة التجارب الواجب القيام بها قبل أن تتحول الفكرة إلى أمر واقع.
طقاطقة تخرج من الثانوية العامة عام 2010 والتحق بكلية الهندسة في جامعة فلسطين التقنية "خضوري"، وكونه من الجادين قرر التعجيل باقتراح مشروع تخرجه، ليعمل على تحقيق أهدافه، وهي أن يكون من السباقين والمبتكرين، وأن يعمل على رفع اسم جامعته عالياً كونها تحولت حديثاً لجامعة بعدما كانت كلية، إضافة لرغبته بإهداء مشروعه لبلدية طولكرم لمساعدتها في التقاط الصور الجوية الملونة  وأعمال المساحة.
نادي الأسير الفلسطيني أكد أن اعتقال الشاب علي طقاطقة لا يعد سابقة، إذ اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي العشرات من الطلبة الفلسطينيين دون توجيه أية تهم ضدهم، وكان سبب الاعتقال واحد وهو التميز في التعليم والتعمق في الأبحاث العلمية.
ويؤكد قدوره فارس رئيس نادي الأسير أنه لطالما كان العلم والعلماء والمتعلمون في دائرة الاستهداف من قبل قوات الاحتلال، مستشهدا بالعشرات من حالات الطلبة الذين اعتقلوا إداريا بدون أن توجه لهم تهمة، ولم يكونوا نشطاء سياسيين، وإنما كانت موضوعات اعتقالهم تثير الحيرة ولا يوجد سبب سوى تميزهم في مجال البحث الأكاديمي والعلمي".
وروى فارس قصة فتى اعتقل لنبوغه في علم الحاسوب وبرامجه، وقال: "قبل أقل من سنة تابعنا قضية شاب لم يتجاوز عمره 18 سن، اعتقل ولم يكن قد شارك بأي نشاط سياسي قط، فقط كونه مبدع في التعامل مع الأجهزة الالكترونية وتحديداً الكمبيوتر، فهذا بالنسبة للاحتلال تهمة لم يفصحوا عنها، حيث اكتفوا بالإشارة إلى وجود ملف سري. ولكن بعد التحري وبعد إجراءات قام بها المحامون اتضح أنه لا يوجد أي سبب سوى كفاءة هذا الشاب في التعامل مع الحاسوب، وبالتالي فإن إسرائيل تترصد لهؤلاء الشباب بعناية فائقة، وكثير من الطلاب المبدعين والمتميزين الذين سافروا أو أرادوا السفر للخارج لاستكمال تعليمهم منعوا، فلم يكن الاعتقال هو الإجراء الوحيد الذي اتخذ في حقهم، وهناك المئات من الشباب الفلسطيني الذين ذهبوا لاستكمال تعليمهم في الخارج وعند عودتهم اعتقلوا على المعابر قبل أن يصلوا لبيوتهم، والتحقيقات كانت تتمحور عن تفوقهم العلمي والأكاديمي، فيما تم تهديد البعض بالسجن أو النفي خارج البلاد".
الجامعات الفلسطينية ترى أن العوائق التي تعترض قطاع التعليم في فلسطين كثيرة، ليس فقط على صعيد اعتقال المتميزين في مسيرتهم الأكاديمية، ولكن أيضاً على صعيد منع مراكز البحوث من العمل وإدخال المواد اللازمة لأجراء تجارب مخبرية أو أبحاث تعتبرها إسرائيل ذات أبعاد أمنية.
يقول الدكتور وائل قراعين عميد كلية العلوم في جامعة بيرزيت: "هناك العديد من المواد الكيماوية والمواد الواجب توفرها في مختبرات الأحياء، وبعض الأجزاء الالكترونية في دوائر الفيزياء، التي نمنع من طلبها وإحضارها، حتى عندما نطلبها لا نستطيع إدخالها من خلال المعابر والموانئ، والسبب دائماً الادعاءات الأمنية الإسرائيلية. قبل فترة طلبنا مواد أساسية لتجربة بسيطة لمختبر طلاب السنة الثانية في دائرة الفيزياء، التجربة لا يوجد فيها أي موانع أمنية كما الادعاء، وكان هناك منع من إدخالها وتم إعادتها لألمانيا، وبعد استئناف وفترة طويلة ومبالغ طائلة تكبدناها، حصلنا على المواد اللازمة لإجراء التجربة."
طقاطقة المجتهد والذي سبق عمره كثيراً، وسبق زملائه بالتخصص، قرر العدول عن مشروع الطائرة والتفرغ أكثر للدراسة وسط الحرقة التي ألمت بهِ وخيبة الأمل التي نالها مجبراً من قبل الاحتلال، ليتوقف حلمه على الورق قبل أن يرى النور على الأرض وقبل أن تحلق طائرته في السماء، لتبقى أحلامه أسيرة منزله البسيط وعقله المتميز.

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026