النفط يسجل أعلى مستوى منذ عامين    مستعمرون يستولون على ممتلكات لمواطنين في تجمع "خلة السدرة" قرب مخماس    الشيخ: تصعيد إرهابي كبير من المستعمرين ونطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لشعبنا    الرئاسة تدين جرائم المستعمرين بحق شعبنا وتطالب بتدخل دولي لوقفها    الاحتلال يحتجز مواطنين ويحولا منزلا لثكنة عسكرية في قصرة جنوب نابلس    شهيد ثالث في أبو فلاح شمال شرق رام الله    تجدد غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت    في يوم المرأة العالميّ.."فتح": المرأة الفلسطينيّة نموذج حيّ في الصبر والإنجاز وشريك أساسيّ في بناء مؤسسات الدولة    الاحتلال ينذر بإخلاء 4 أحياء كبرى في الضاحية الجنوبية بلبنان    الاحتلال يصعد عدوانه على الضفة: تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية وحملات اعتقال واسعة لليوم السادس    الاحتلال ينصب حاجزا عسكريا في الرام    إصابة 3 أطفال بجروح ورضوض في اعتداء للمستعمرين بمسافر يطا جنوب الخليل    الاحتلال يقتحم بيت لحم ويتمركز في عدة أحياء    "التربية": الإعلان عن آلية الدوام للمدارس ورياض الأطفال والجامعات والكليات يوم الأحد المقبل    "جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025  

"جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025

الآن

غسان كنفاني- أحمد دحبور

هو ذا غسان فايز كنفاني.. ابن عكا، المهاجر من يافا، كاتب «عائد الى حيفا»، وقد انتشر في مسام فلسطين حتى غدا جزءاً حميماً من ذاكرتها الثقافية والوطنية، ونحن الذين مررنا يوم امس، الأحد الثامن من تموز 2012، بالذكرى السنوية الاربعين لاستشهاده، لا نزال نفتقده كأنه استشهد الآن، حتى لا يمكن لنا ملء الفراغ الأليم من بعده، فقد ظهر فينا مبدعون كثر، شعراء وروائيون وقصاصون ونقاد ودارسون، لكن المشهد الأدبي الفلسطيني ظل يفتقد ذلك الحضور الذي لا يعوّض.. وكأنه، رحمه الله، كان يشعر بكثرة حضوره، فمهر اعماله بأسماء مختلفة، مثل غسان كنفاني، وفارس فارس، وابو فايز، وغسان كنج، بل ان نزعته التعددية حملته الى منح بعض العاملين معه اسماء غير اسمائهم، مثل الكاتب محمود الريماوي الذي اختار له غسان، الى جانب اسمه الصريح طبعا، اسم م. سفيان..
لا اتخيل غسان، حين كانت اشلاؤه تتطاير قل يوم واربعين عاما في حي الحازمية البيروتي، الا وهو يبتسم ساخراً من خيبة عدونا وقلة حيلته، فقد زرع رجال الموساد ذلك اللغم في السيارة الحمراء الصغيرة، وفجروها وفيها غسان كنفاني ومعه حبيبة قلبه لميس نجم، ذات السبعة عشر ربيع، ابنة شقيقته الحاجة فايزة.. فهل ظنوا بذلك الغدر الجبان انهم تخلصوا «من ابي فايز؟» انه يلاحقهم الآن، في هذه اللحظات، ونحن نتدبر امرنا مع ذكراه الاربعين.. لقد قتلوه، ولكن المبدع الحقيقي كائن من أثير وتاريخ، لم يمت.. انه بيننا، ملء الحياة والوعد بتحسين الحياة..
ان المطابع لا تزال تعيد انتاج طباعته، وليس للعدو الا ان يعترف بالهزيمة الحضارية.. اربعون عاما على استشهاد كاتبنا المشرق ذي الستة والثلاثين عاما، واذا توقف عمره عند ذلك الحد، فان عطاءه العابر للزمن ظل في الذاكرة والروح والتاريخ، ولعل من جاؤوا الى هذه الدنيا بعد استشهاده، يتناوبون الآن على قراءته واعادة التعلم على يديه.. ولنا ان نسأل من اين تبدأ الاجيال التالية لاستشهاده في قراءة تراثه؟ فهو القاص اللامع، والروائي الكبير، والسياسي الدؤوب، الذي كتب في التاريخ الفلسطيني ولم يلبث ان اصبح جزءاً من هذا التاريخ..
كان غسان ابناً روحياً للدكتور جورج حبش وحركة القوميين العرب. لكننا ننتقص من دوره التاريخي لو قصرناه على ذلك، فذلك الفتى القومي العربي هو الذي سيصبح، بعد فترة لا تقاس بعمر الزمن، احد اقطاب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. بل لم لا نقول انه من رموز المقاومة الفلسطينية؟ وهو الذي انتبه، منذ الرصاصة الفلسطينية الاولى، الى ان ثمة شيئاً في الأفق يصنعه الفلسطينيون، فكتب مقالته المبكرة الشهيرة: «فتح مدعوة الى النقاش».. وفي تلك المقالة قدم ابو فايز اسئلته التي كانت عملياً هي اسئلة الفلسطينيين جميعاً، حول هوية المشروع الوطني الفلسطيني، وعلاقة اصحاب هذا المشروع بالخط القومي الذي كان يقوده الزعيم جمال عبد الناصر وبقية العروبيين من امثال البعثيين والقوميين العرب، وتساءل عن المجدد الاجتماعي لهوية هؤلاء الوطنيين الجدد، وعن الثورة طويلة الأمد، وعلاقتها بالعالم..
عملياً، كانت اسئلة غسان كنفاني المبكرة تلك، هي فاتحة الجدل الفلسطيني - الفلسطيني، والفلسطيني - العربي، والفلسطيني - العالمي.. ولم يتأخر الجواب، فقد كتب القائد خالد الحسن، ما اصبح الكراسة الاولى في ادبيات فتح، كتب: «فتح تبدأ النقاش».. وابو فايز الذي كان مفتاح ذلك الحوار الحيوي في الحركة الوطنية الفلسطينية، هو نفسه الذي اوقف، مؤقتا، مجلة الهدف الاسبوعية، وهي الناطقة باسم الجبهة، ليحولها الى جريدة يومية، مؤقتا بالطبع، لتواكب دفاع الثورة الفلسطينية عن حقها في البقاء والصمود، وكان الخط السياسي الذي ينتظمها هو الوحدة الوطنية ولا شيء يحيد عن الوحدة الوطنية، وهو حين قام بذلك، انما كان يوجه رسالة الى العالم، مؤداها ان الشعب الفلسطيني واحد في الملمات.. وحين يرتفع ذلك الشعار على صفحات الهدف التي كانت تتصدر سياسة النقد البناء، اللاذع احياناً، لقيادة منظمة التحرير، فان المعنى يبدو بقوة الشمس التي لا يحجبها الغربال..
والى ذلك، لم يكن غسان قائداً فلسطينياً وحسب، بل كان أباً وأخاً ورفيقاً، حتى اننا كنا نحرج من لطفه وحدبه علينا عندما كنا في مقتبل العمر والتجربة.. أفلا يحق لي أن أتباهى بأنني من الجيل الذي علمه غسان كنفاني؟
 
 
 

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026