الفلسطيني السوري: مشيئة الجغرافيا- نائل بلعاوي
يًجمع الذين عرفتهم او التقيتهم في عديد الاماكن. اولئك الذين قادت الكارثة عائلاتهم في العام 48 الى سوريا، فدخلوا الحياة على ارضها وصاروا جزءأ منها، ثم غادرها بعضهم، بدوافع البحث الابدي عن فرص افضل للبقاء وعن حرية مصادرة. كما يغادر السوري عادة ولذات الدوافع، بلاده ويغادر المصري وغيرهم.
يًجمع هؤلاء الذين لا يدل لسانهم الشامي على منابتهم الفلسطينية البعيدة، ولا تدل طبائعهم الا على المحمول من خصائص المكان السوري. يجمعون على فرادة تتميز بها العلاقة بينهم وبين الامكنة التي كبروا تحت ظلها ولا يعرفون ولا يحملون، حيث تحط بهم المصائر، غيرها. انها الرحم الكبير الذي انجب ثم شكل ارواحهم، وقادها الى حالة الاندماج العالية القائمة معه، ومع اصحابه كذلك.
لا تشير الكلمات اعلاه ولا تصريحات اولئك الناس، بكل الاحوال، الى خلل عاطفي او ثقافي يخص علاقة الفلسطيني السوري بفلسطينه المفقودة، ولا لظهور المكان السوري، كبديل ممكن لنظيره الفلسطيني. بل تشير الى تلك البلاغة العبقرية التي مكنت الفلسطيني من تحويل المكان الجديد الى وطن كامل المعنى وشامل الصفات. وهي عين البلاغة التي مكنت السوري من تحويل العلاقة التقليدية: علاقة المضيف بضيفه، الى نسيج متشابك، تتجاوز حدوده صفات الشراكة والعيش المشترك وتدخل، ما عرفناه دائما ونعرفه اليوم: حالة التحام مصيري وجميل بينهما.
عبقرية مشتركة هي. بلاغة التسامح الفطري بين الكائنات، ذاك الذي لا تهده العصبيات الاقليمية، ولا تدمره الاثنيات بطيشها، ولا تقضي على مآثره الطوائف. انها البلاغة العبقرية التي مكنت السوري والفلسطيني من الوقوف على مسافة واحدة من المسرات القليلة وخيبات الامل الكثيرة التي عرفتها البلاد على امتداد العقود الماضية. على مسافة واحدة من القمع والاعتقال والسجن والترحيل والقتل: صفات النظام الفاشي ومظاهر تسلطه الكلي الذي لا يميز بين السوري والفلسطيني والكردي ولا بين السني والعلوي او المسيحي. لا يميز، على صعيد اعتبار الاخر: الشعب على اختلاف مشاربه ومعتقداته، هو العدو المرتقب.. هو الذي سيخلع اردية الخوف يوما، ويقول كفى. وقد فعل.
على مسافة واحدة، من كل شيء في البلاد، كان الفلسطيني السوري وجاره السوري، فالهموم واحدة، والمتاعب هي المتاعب عينها، والنظام هو النظام. حين يطلق وحوش امنه خلف طرائدها يكون هو. حين يدمر ثروات البلاد ويفقر الفقراء اكثر: لا يكون سوى هو. وحين يرسل طائراته الان لتدك القرى والمدن: لا يمارس الا الاصيل من صفاته القذرة. اما الضحية فلا اسم لها ولا هوية، ولا يهمه اسمها او هويتها، فالمهم هو اصطيادها. المهم هو ما تمثله الضحية من تناقض انساني بعيد مع ما يمثله هو من انحطاط اخلاقي بدائي وعميق.
في المسافة الواحدة تلك. في ظل بلاغة التوحد ومن وحيها، وفي هذه اللحظات الخاصة، مصيرية الابعاد، التي تمر بها سوريا: لايمكن للفلسطيني السوري ولا يجوز ان يربض تحت خيمة (الحياد المقترح) وينتظر غده.. غد المكان واهله، ولا يشارك مباشرة بصنعه وتمهيد الطريق اليه. تلك مهمته الاولى هناك، وسيلته الوحيدة لتأكيد احترامه للمكان والجيران، وما الدعوات الخبيثة التي تطالبه بالحياد الان سوى اداة ينشدها النظام ذاته لتخفيف وطأة الضغط الشعبي الكبير عليه. ما هي الا وسيلة في نظر النظام وابواقه (فلسطينية الاسم) الفاعلة في الداخل والمنتشرة، في الخارج، ان حققت تلك الوسيلة غاياتها، حقق النظام بفعلها ما يصبو اليه: ضرب العلاقة العبقرية بين الضحايا، وابعاد طائفة مهمة منهم عن المشاركة في سيرورة التغيير الهادرة الان.
لا حياد للفلسطيني السوري تجاه ثورة الاهل على جلادهم. تلك مشيئة الجغرافيا، وتلك هي المصائر الموحدة تحت ظل التراجيديا العظيمة واستحقاقتها العالية. وتلك هي، بالضبط، صيغة الاختبارات التي يفرضها التاريخ على اولئك الذين يعلنون، في كل زمان ومكان، عن فرادة العلاقة التي تربطهم بالمكان السوري وعمق حضورهم في ثناياه وبين اصحابه . فأما النجاح ومرافقة الجيران الى غدهم الافضل بكل الاحوال واقساها من حاضرهم وماضيهم . وأما الفشل المدوي وغير الممكن تبريره بشعارات (الانتحار الجماعي) و (الخوف من ردة فعل النظام وانتقامه المنتظر). وغير ذلك من شعارات باطلة لا يراد بها الا باطل، فمتى؟ وكيف؟ وباي الية يمكن تصنيف دفاع الناس عن انفسهم وحيوات اهلهم بالانتحار؟ ومتى كف النظام عن توجيه سهامه ضد كل من تتناقض رؤيته للحياة مع رؤيته هو؟ الم تعج سجونه دوما بكافة مكونات المجتمع السوري المذكورة اعلاه... الم تكن تلك السجون وسياسات الاقصاء، عديدة الاوجه، هي التمثيل الجلي لفلسفة الانتقام التي بنى النظام قلاعه من وحيها؟ وماذا اليوم عن هذه المدافع والطائرات التي تصب جحيمها فوق رؤوس العباد في كل زاوية ومطرح من جغرافيا البلد، هل تميز هي الاخرى بين ضحية وضحية اخرى.
هل تفتش عن هوية الضحية قبل الانقضاض عليها؟ وماذا لو افترضنا جدلا ولوهلة قصيرة ان النظام يفتك بشعبه فقط، ويستثني الفلسطيني من المجزرة، هل يقبل الفلسطيني السوري، والحال هذه، ان يقتل جاره وصديقه وزميله وأن تحرق منازلهم وتهدم فوق رؤوسهم، ويبقى ساكناَ ينتظر ويردد نشيد الجراثيم عن الحياد الذي لا يمكن لفكرته ان تستقيم وهذي العلاقة الجميلة الفريدة؟
لا حياد للفلسطيني السوري، مرة اخرى، امام القتل. الحياد هو الجريمة، وقد يكون من اشد انواعها قبحا ووقاحة. الحياد هو خروج الكائن من زمانه واحلامه وضرورات عيشه. وهو، اولا وقبل كل شيء: نقيض كل ما يعلن عنه اولئك الذين عرفتهم والتقيتهم وكانت سوريا، هي الدليل البهي الى ارواحهم وذكرياتهم واحلامهم وقادم ايامهم ايضا.
كاتب من فلسطين
عن "القدس العربي"

مقالات وآراء حرة
2012-12-05 | 17:04
2859