النفط يسجل أعلى مستوى منذ عامين    مستعمرون يستولون على ممتلكات لمواطنين في تجمع "خلة السدرة" قرب مخماس    الشيخ: تصعيد إرهابي كبير من المستعمرين ونطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لشعبنا    الرئاسة تدين جرائم المستعمرين بحق شعبنا وتطالب بتدخل دولي لوقفها    الاحتلال يحتجز مواطنين ويحولا منزلا لثكنة عسكرية في قصرة جنوب نابلس    شهيد ثالث في أبو فلاح شمال شرق رام الله    تجدد غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت    في يوم المرأة العالميّ.."فتح": المرأة الفلسطينيّة نموذج حيّ في الصبر والإنجاز وشريك أساسيّ في بناء مؤسسات الدولة    الاحتلال ينذر بإخلاء 4 أحياء كبرى في الضاحية الجنوبية بلبنان    الاحتلال يصعد عدوانه على الضفة: تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية وحملات اعتقال واسعة لليوم السادس    الاحتلال ينصب حاجزا عسكريا في الرام    إصابة 3 أطفال بجروح ورضوض في اعتداء للمستعمرين بمسافر يطا جنوب الخليل    الاحتلال يقتحم بيت لحم ويتمركز في عدة أحياء    "التربية": الإعلان عن آلية الدوام للمدارس ورياض الأطفال والجامعات والكليات يوم الأحد المقبل    "جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025  

"جودة البيئة": الاحتلال ارتكب 685 انتهاكا بيئياً في المحافظات الشمالية خلال عام 2025

الآن

حكومة إسرائيل حولتني إلى وزير جنازات ...عيسى قراقع

واضح أن السجون الإسرائيلية ومراكز احتجاز الأسرى تحولت إلى وباء، ومرتع للأمراض العديدة، وأنها البديل لمقصلة الإعدام ، وأصبح تعبيري الدائم عن قلقي على حياة الأسرى المرضى صراخا في الوادي العميق، أسمع صوتي في الصدى، ولا يتوقف إلا عندما أجد نفسي أمشي في جنازة أسير ينظر إلي نائما يسألني ماذا فعلت؟
منذ عام 2009 استقبلت 12 شهيدا من الأسرى كنت اعرفهم وأتابع موتهم البطيء ساعة ساعة ويوما يوما، أتلقى نداءاتهم ورسائلهم كأنها شهقات رجاء في اللحظات الأخيرة، الشهداء: محمد العملة، زكريا عيسى، رائد أبو حماد، أشرف أبو ذريع، زهير لبادة، عرفات جرادات، سيطان الولي، ميسرة أبو حمدية ، زياد ردايدة، عيسى زيدات، إياد طقاطقة، مصطفى شهاب، انفجرت فيهم الشرايين، وسالت دماء الكلى، توسع مرض السرطان في أجسادهم حتى التهمتها عظما ولحما، ولا زال القاتل والمحقق والطبيب طلقاء ينصبون الفخاخ لأرواحنا المتمردة.
كانوا أحياء، والآن أزورهم في ثلاجات الموتى في المستشفيات، صامتين مبتسمين، وأرى بضع كلمات تكرست على شفاههم لم تكتمل، تجمدت بقطرات دم أو خيبات أمل في أحضان الكلام.
حكومة إسرائيل حولتني إلى وزير للجنازات ، وأرى زحمة للموت في السجون الإسرائيلية، لأن الإهمال الطبي والاستهتار بصحة الأسرى المرضى أصبح سياسة وروتين، وأطباء عيادات السجون لا يتلقون تعليماتهم من أخلاقهم المهنية والطبية، وإنما من أجهزة الأمن وتعليماتها التي تقول: إما أن يموت الاسير الفلسطيني فورا وإما أن يموت تدريجيا، فهو يشكل خطرا على الأمن القومي الإسرائيلي حيا وميتا.
انا وزير الجنازات، أقرأ الجنازات القادمة في رسائل الاسير رياض العمور ومنصور موقدة وخالد الشاويش وناصر الشاويش ومحمد التاج، ومحمد أبو حميد وناهض الأقرع ومحمود سلمان ومحمد أبو لبدة وشادي محاجنة، وأمير أسعد، وفؤاد الشوبكي وعامر بحر ومعتصم رداد وسامر عويسات وأيمن أبو ستة، وفواز بعارة ومحمد براش وغيرهم الكثير الكثير، موتى أحياء يفرون من قبرهم إلينا سالمين أو ناقصين، يطيرون حول السماء المسيجة، يحاولون الوصول إلى أي لجنة تحقيق محايدة أو محكمة دولية، تعطيهم الحق في العلاج المناسب، وتنقذ ما تبقى فيهم من حياة ولو مؤقتا.
حكومة إسرائيل حولتني إلى وزير للجنازات، لأنها لا زالت تمارس التعذيب بشكل منهجي ورسمي، ولأنها تقمع الأسرى بكل أساليب القمع والبطش، ولأنها لا تملك سوى مشفى هو أسوأ من السجن، وأكثر قسوة من زنازين العزل،كأن وظيفتي أصبحت التنبؤ بمواعيد الموت القادم، وترتيب حالات الفجع و ودهشة المأساة.
وزير الجنازات يعلن أنه لم يستطع أن يمنعهم من بتر ساق الاسير ناهض الأقرع، ومن منع انتشار السرطان في جسد الاسير ميسرة أبو حمدية، لم يمنعهم من وقف حالات الصرع والاضطرابات النفسية للعشرات من المرضى الأسرى، الذين فقدوا الذاكرة أو صدمتهم أحوال السجن الجهنمية، وسيبقى هذا الوزير راحلا من عزاء إلى عزاء ، يستقبل التوابيت والأجساد المحطمة، يشم رائحة الموت في أنفاسهم وصرخاتهم المخنوقة في النسيان.
وزير الجنازات يقرأ عن أسرى فقدوا النظر ، وآخرين فقدوا السمع، وأسرى مشلولين يتعكزون على رائحة الدواء المسكن إلى حين، يبحثون عن سماء للروح إذا صعدت، أو عن أرض لها اذا نزلت، مغسولة بالورد وسورة الفاتحة، فيتعثرون بعبء البطولة وهروب الملائكة.
إسرائيل حولتني إلى وزير للجنازات،وظيفة من يسدل التراب على الميتين ظلما، ويلقي خطابات التأبين الحزينة، وهي تحاول أن تجعل هذه الوظيفة عادية وطبيعية، ولكنها لم تدرك أنني أتابع إيقاع دوراتنا الدموية، من الدولة إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى حيث ينهض كل الضحايا أحياءا وشهودا على الجريمة المنظمة المعاصرة.
لا زلت أملك تلك الذاكرة الرمادية، وأراهم جميعا يأتون كاملين، ينشدون على أوتار آلامهم وأوجاعهم، ليس نشيد الوداع الأول، ولا السقوط عن قمة الهاوية، وإنما الصعود إلى الحرية في جبال أجنحتهم العالية.
انا وزير الجنازات، لا اطلب الآن سوى أن لا أشارك في جنازة سامر العيساوي المتوقعة، بل اطلب أن تسمحوا لي أن استقبله حيا حرا، يتحرك على قدمين وليس على عربة المقعدين، تضمنا شمس القدس وشوارعها ، نتبادل الحديث عن السلام والجمال لا عن الخوف،وننجو معا من الموت والعدوان، ونصلي.
sh

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026