قوات الاحتلال تعتقل شابًا وتفتش مركبات المواطنين في عنزا جنوب جنين    الاحتلال يفرج عن اللواء النتشة عقب تحقيق استمر ساعات    الشيخ يعقد اجتماعا مع قادة الأجهزة الأمنية لمتابعة التطورات الراهنة    هولندا تحظر منتجات المستعمرات اعتبارا من 22 أيلول    غزة: 12 شهيدا بينهم 4 أطفال منذ فجر اليوم    مجلس الوزراء يبحث وسائل تسريع العمل على معالجة أزمة المحروقات وتكدس الشيقل بفعل إجراءات الاحتلال    تصاعد غير مسبوق في توزيع أوامر وضع اليد لشق الطرق العسكرية على حساب الأراضي الفلسطينية    محافظة القدس: منظمات "الهيكل" تستعد لفرض أكبر اقتحام للمسجد الأقصى فيما تسمى "ذكرى خراب الهيكل"    الاحتلال يتسبب في حرائق بمناطق رعوية في الأغوار الشمالية    جرافات الاحتلال تشق طريقا استيطانيا على أراضي دير قديس وخربثا بني حارث    الاحتلال يصدر أمرا عسكريا بوضع اليد على 5 دونمات من أراضي جبع    فتوح: ما يجري في غزة يثبت أن هذه الحرب لم تتوقف يوما وحكومة الاحتلال لم تلتزم بأي تفاهمات    73,283 شهيدا و173,864 مصابا في قطاع غزة منذ بدء العدوان    مستعمرون يقطعون ويتلفون أعمدة الكهرباء في بيتلو غرب رام الله    للمرة الخامسة: مستعمرون يدمرون شبكة المياه في المنية جنوب شرق بيت لحم  

للمرة الخامسة: مستعمرون يدمرون شبكة المياه في المنية جنوب شرق بيت لحم

الآن

بائع البندورة

القدس - رام الله - الدائرة الإعلامية
لم تدفعه الشمس للابتعاد عن عربته الصغيرة التي يضع عليها القليل من "البندورة"، ملامح بشرته صبغتها الشمس بلون داكن، مغاير للون البرونزي الذي يدفع الغرب للقدوم إلى منطقتنا والاسترخاء تحت اشعة الشمس لساعات طويلة طمعاً في الوصول إليه، توحي سمرة بشرته أن الشمس صادقته رغماً عن أنفه، ملامحه تؤكد أنه ما زال في النصف الأول من العقد الثاني من العمر، طبقاً للمقاييس الغربية ما زال في مرحلة الطفولة، تلك المرحلة الذي يكرس الغرب جل طاقاته لخدمة منتسبيها، وطبقاً للمقاييس الشرقية التي تفرضها الظروف القهرية وتترك بصماتها على الشكل والمضمون فهو في المرحلة المبكرة للرجولة، وعادة ما تنفرج أساريرنا عند سماعنا ما يشير إلى أن الطفل لدينا نفض عن كاهله الطفولة ودخل مرحلة الرجولة مبكراً، كأن ثقافتنا لا تطيق للطفل أن ينعم بالطفولة ومعانيها.
خشونة الحياة تركت آثارها على ملامحه، لكنها لم تتمكن من وأد ابتسامته البريئة، كأنه يرغب في الابقاء على دلالتها بأن ظروف الحياة القهرية لم تتمكن من انتزاع الطفولة منه، لا أحد من الأطفال يرغب في طمس هذه المرحلة مبكراً من حياته، فقط نحن الكبار من يحاول أن يفعل ذلك، لا نطيق أن نراه يمارس طفولته، وعندما يفعل ذلك نسارع إلى تأنيبه من باب تعليمه، أي تعليم هذا الذي نقتلع به الطفل من حياته ونلقي به في عالم ليس عالمه؟، أعتقد أن عجزنا عن توفير حياة كريمة لأبنائنا يدفعنا لمربع الوهم الذي ندافع فيه عن قصورنا، حين ندعي باطلاً بأن شظف العيش في المرحلة المبكرة من العمر يصقل الرجولة وينبت فيها صفة الاعتماد على الذات، ولتمرير ذلك لا نتورع في الاستدلال على من شق حياته من رجال الأعمال بطريقة عصامية تبعث على الاعجاب.
أرادت أسرة أوروبية أن ترسل ابنها الصغير الذي لم يتجاوز عامه الخامس لدولة أخرى لزيارة أقارب له، تركته يفعل ذلك بمفرده، أعطته القليل من النقود وقصاصة ورق مكتوب عليها العنوان الذي يرغب في الوصول إليه، وذيلته بجملة "الرجاء مساعدة الطفل"، مؤكد أن خوف الأسرة الأوروبية على ابنها لا يقل عن خوفنا على أولادنا، لكن الفارق أنها تريد له أن يطلع على العالم ومكوناته بطريقته، لأنها تعي جيداً أن المعرفة هي الطريق الأمثل لبناء الانسان، فيما نحن ما زلنا نجهل المتغيرات المحيطة بنا، ونسعى لتلقين أولادنا مفردات الحياة التي نعرفها، كأننا نريد أن نبقيهم أسرى لها، دون أن ندرك قيمة مقولة علي بن أبي طالب كرم الله وجه "علموا أبناءكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم".
الطفل صاحب البشرة السمراء أعادني إلى عقود عدة مضت، يومها لم أكمل المرحلة الابتدائية بعد، أخذت من الوالدة النقود وقبل أن يختفي ظلام الليل كنت اشق طريقي إلى "الخان" حيث مكان بيع الخضروات بالجملة، كنت أقبض على "رأس المال" في جيبي وأتفحصه فيها بين الفينة والأخرى، في الخان أدركت سريعاً أن "رأس مالي" يبقيني خارج بواباته، لا أريد أن اعود ادراجي بخفي حنين، اشتريت به صندوقاً من "البندورة"، بالكاد يمكن أن تعرف أنها "بندورة" بفعل موجة الصقيع التي أصابتها وغيرت ملامحها من اللون الأحمر إلى الأسود فقدت معه دلال اسمها، ذهبت ببضاعتي إلى السوق واتخذت مكاناً لي بين الباعة، جاءت سيدة تسأل عن السعر، وقبل أنها أجيبها سارعت بالسؤال التالي " ابن من تكون؟"، اجبتها على سؤاليها بالتتابع، يبدو أن اشفقت على حالي أكثر من رغبتها في شراء طماطم فقدت رونقها، بينما كانت تنتقي بعضاً منها جاءت أخرى لم تسأل عن السعر قبل أن تعطينا "موشحاً" لم تبق كلمة تصلح للتشهير بالطماطم إلا وقالتها، ردت الأولى بالقول "لا يعجبكم العجب ولا الصيام في رجب"، تبسمت لمقولتها التي تجافي الواقع، مؤكد أن شفقة على طفولتنا دفعها لذلك، ويبدو أن طفولتنا ما زالت بحاجة إلى الكثير من الشفقة.
osgovernor@hotmail.com 
 
 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026