وردة لذكرى محمود درويش - احمد دحبور
منذ فترة مرت بنا الذكرى السادسة لرحيل شاعر فلسطين الاكبر محمود درويش واذا لم اكن في وارد العتاب على الصحافة الفلسطينية التي لم تشر الى هذه الذكرى، بما يستحق صاحبها من تقدير واعتراف، واذا كنت ابدو في غاية الحماسة لهذا الشاعر الفريد في حياتنا، فلأن هذا الشاعر الاستثنائي، له من قوة الحضور ما يدفعنا الى ما يشبه عدم الاعتراف برحيله، ولا اظنه كان سيعتب على احد، اذ ان هذا الذي «قال للناس حوله كل شيء سوى الندم» ليس نادما على رحيله المباغت، فهذه الكأس الدائرة على الناس جميعا وصلت اليه بوصفه احد الناس، ولكن هل كان رحمه الله، مجرد واحد من الناس؟ لقد كتب يوما: اذا كان لي ان ارفع الكلفة مع القراء واعتبر نفسي امتدادا نحيلا لشعراء المقاومة في العالم، فلأن شعبي قد ابهظني بحبه وارتقى بي الى هذه الدرجة..
ومع هذا نقول: حذار، فهذا الشاعر الشفاف الخجول بطبعه، هو نفسه الذي كان يتحول الى نمر شرس عندما يضام، او عندما يتخيل انه تعرض للضيم..
والاكيد ان في سجل شاعرنا الخالد هذا مئات الاسماء، بل الآلاف ممن يحفظون له وعنه طوفانا من الذكريات الحميمة، حتى لتبدو الكتابة في ذكراه ضربا من التكرار وتأكيدا لما هو معروف ومتفق عليه، اما اذا خطر لواحد مثلي ان يلوذ ببعض اخباره وذكراه، فيكون الامر كمن ينطبق عليه المثل: يا داخل باب الشام لقد سبقك الالوف.. والى هذا، فقد كان رحمه الله، حميما الى درجة توحي لجليسه بأنه صديقه العزيز الاول.. فقد كان يعطي من نفسه بسخاء واريحية واخلاص، اما اذا داس احد على طرف له فليرحمنا الله من غضباته المحرجة النارية.
كانت ثوراته وردود افعاله اشهر من ان يشار اليها..
ولعل الزملاء الذي كانوا معي في الامانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، يذكرون صيحة القائد العام ابي عمار في وجوهنا، لهذه المناسبة او تلك، ويذكرون كذلك كيف غادر محمود تلك الجلسة لا يلوي على شيء وعندما راجع القائد العام نفسه وفكر في ان يسترضيه، ركب محمود رأسه واختفى.. وانه ليوم محرج حقا ان يبحث ابو علي سلامة رحمه الله، ومعه مجموعة من رجال الامن، عن محمود فلا يعثرون له على اثر، الى ان جمعته مصادفة مفاجئة الى القائد العام الذي بادره بالقول: يرضيك يا خويا انه الخصوم يقولوا: محمود زعلان من ابو عمار ومش عاوز يصالحه؟ وبسرعة بديهة اجاب الشاعر الكبير: يا اخ ابو عمار لو سألت عني حقا لكنت امامك، ويومها قال ابو عمار جملته الشهيرة: معلوم يا خويا لاني اذا كنت القائد العام فأنت الشاعر العام.. وتعانق الرجلان..
واذكر للمناسبة اننا كنا معا في مهرجان اكليل الغار الذهبي الذي عقدته يوغسلافيا عام 1979، وهو تقليد متبع في تلك البلاد الجميلة، وكانت تلك المناسبة الباهرة تأتي تكريما للشاعر الاسباني العالمي رافائيل البرتي، وحين اجرت لنا الدولة المضيفة مؤتمرا صحفيا خاصا بشعراء فلسطين - وكان معنا الشاعر معين بسيسو رحمه الله بوصفه رئيس الوفد - فقد سألتنا صحفية متمحكة ما اذا كنا قادمين حقا من جمهورية الشعر، فأجاب محمود بعصبية: لم لا تلاحظين ان جمهورية الشعر هي التي تكرمنا وتستضيفنا؟ وحتى يثبت القول بالفعل، نهض واقفا، فتعلقت قلوب الحاضرين به، وتسابق المتكلمون، بمختلف اللغات الى الثناء على تجربة محمود وتقديم الاعتراف بهذه القامة الشامخة، والاعتذار له ولفلسطين.. ولئن لم يخطر في ذهن احد من الحضور الكبير ان يرضى بالاساءة الى فلسطين او الاستخفاف بنا لا سمح الله، فقد اشاع غضبه حالة من القلق العام..
على ان هذا المتألق الانوف العصبي، كان سرعان ما يضعف ويشفّ عندما يشعر بصدق جلسائه وطيب نواياهم، واذكر مرة انه خشي ان يساء فهمه بسبب جملة عرضية بدرت منه، فبادر الى المبالغة في الاعتذار حتى ارتبك الذي كانت الجملة موجهة اليه.. فبقدر ما كان لا يسمح بأن يداس له على طرف، كان حريصا، رحمه الله، على الا يبدو متعاليا او مسيئا الى احد، فلم يكن اكبر شاعر فلسطيني وحسب، بل كان انسانا كبيرا بالمقاييس كلها.. وكأنه كان يضمر عقدا بينه وبين اصدقائه: انا احبكم.. ولكن ارجو ان تتحملوا طبعي الناري..
ها انذا ادور حوله، واقترب منه وكأنه امامي.. من الممكن ان ينفجر في اي لحظة، لكنه انموذج للنبيل الكبير الذي يصدق عليه القول: وليس كريم القوم من يحمل الحقدا..
رحمه الله مرة رابعة وخامسة والفا.. وهو حيث هو، يدري انه في القلب والذاكرة التي لا تعرف النسيان.. واذا كانت الامم تتباهى برموزها فيكفينا - نحن معشر الفلسطينيين - اننا شعب نبت فيه وتألق محمود سليم حسين درويش، شاعر العرب وفلسطين وعكا والبروة، وابن ام احمد التي ورث عنها ملامح الوجه بالتفصيل، وعزة النفس التي لا تقاس..

مقالات وآراء حرة
2014-09-16 | 08:58
2541