الاحتلال يهدم بركة مياه في الأغوار الشمالية    شهيد ومصاب في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    الرئيس يصادق على النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026    أبو هولي: تعزيز صمود اللاجئين وحماية الأونروا أولوية وطنية لمواجهة التحديات    بيت لحم: الاحتلال يلاحق العمال ومستعمرون يقتحمون قرية كيسان    7 إصابات في قصف الاحتلال حي تل الهوى بمدينة غزة    نادي الأسير: قرار "العليا" الإسرائيلية بشأن زيارات الصليب الأحمر للمعتقلين يبقى فاقدا لأثره دون تنفيذه الفعلي    محافظة القدس: دمج جماعات "الهيكل" داخل شرطة الاحتلال بالأقصى يمثل تصعيداً خطيراً    الاحتلال يسلم إخطارات بهدم عدد من المحلات التجارية شمال غرب نابلس    ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,956 والإصابات إلى 173,043 منذ بدء العدوان    مستعمرون يحرثون أراضي المواطنين ويسرقون أغنامهم غرب الخليل ويقتحمون دير السودان تمهيدا للاستيلاء على أراضي    فتوح: مجازر الاحتلال المتواصلة بحق المدنيين تمثل جريمة حرب مكتملة الأركان    محافظة القدس تحذر من مشروع استعماري ضخم لمعالجة النفايات على أراضي قرية قلنديا    جيش الاحتلال ينذر اللبنانيين بعدم التوجه إلى جنوب نهر الزهراني    جلسة مغلقة لمجلس الأمن بشأن فلسطين تعقد الليلة  

جلسة مغلقة لمجلس الأمن بشأن فلسطين تعقد الليلة

الآن

زوار الفجر ... حنان باكير

طرقات الباب العنيفة بعد منتصف الليل، كانت تخيف الطفلة التي كنتها ذات حين. لكني اعتدتها مع الوقت، حين صارت جزءا من روتين شبه يومي. كان ذلك خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. زوار الفجر يداهمون بيوت الشباب الفلسطيني، والامهات يداهمن بيتنا. أما لماذا أبي كان هدفهن.. فإن مقهى القسيس، هو السبب! 
مقهى القسيس، الذي لم يعرف الا باسم "قهوة العكاكوي"، ولا يبعد اكثر من مئتي متر عن مخيم برج البراجنة. وبعد أن تحوّل الى وطن صغير، يستعيض به رواده عن وطنهم الضائع. صار ايضا وكرا، لزوار الفجر، من الاجهزة الأمنية. وكان أن نشأت بينهم وبين أبي صداقة، خولته التوسط للشباب الذين يتم توقيفهم، أو الذين تحتجز وثائق سفرهم المغضوب عليها! ولم ينج أخي الكبير من المداهمات والاعتقال! يقولون لأبي: صار لازمو فركة أذن! فيجيب أبي: هذا ابنكم!! 
مع بدايات الفجر وقبل زوال العتمة، يحضر الزوار.. يطرقون الابواب، تسارع الأمهات الى فتح الباب. يسألون عن الابن المطلوب. يجدونه نائما.. بصمت ينبشون البيت، لا ينجو من نبشهم شبر واحد، وهذا ما كان يحدث معنا، بسبب أخي المشاغب.. لم يكن حينها البحث عن أسلحة أو متفجرات.. فالسلاح المطلوب، هو الأخطر من كل ذلك! البيانات الحزبية والكتب الممنوعة!
المنشورات اقتصر دورها على التذكير وإحياء المناسبات المشؤومة، وما اكثرها في تاريخنا الحزين.. ذكرى وعد بلفور، ذكرى تقسيم فلسطين، يوم النكبة.. والقائمة تطول! لكنها تعتبر مسّا بالامن الوطني. الكتب الممنوعة هي كتب مؤسسي الاحزاب القومية، من حزب البعث الى حركة القوميين العرب والحزب الشيوعي. 
ما إن يغادر الزوار البيوت مصطحبين الشباب، حتى تهرع الامهات يطرقن باب بيتنا بقوة ولهفة.. إلحقنا يا ابو زهير.. إجو أخدوا الولد! يلطمن على وجوههن، ويطرقن بقوة على صدورهن.. "يا ميمتي أنا شو راح يعملوا فيهن"!! وأنا أرقب بصمت.. يسأل أبي ان وجدوا شيئا في البيت، حتى يعرف كيف يتصرف! يهدىء روعهن، وأن الصباح رباح!! وقبل أن يغادر البيت، تحضر النسوة، فتستقبلهن أمي بفنجان القهوة.
حضرت جميع المداهمات التي استهدفت أخي الكبير. ذات فجر، قاربت الساعة الثانية صباحا. حضر الزوار الى بيتنا، قبل حضور أخي. عادة لا يفتشون البيت الا بوجود المطلوب. إنتشر الزوار في كل مكان على البلكونة، وفي غرفة الدرج وعند مدخل البناية.. استغليت الفرصة، وأخذت الكتابين وبعض المنشورات، التي رأيت أخي يخفيهم عن أعين والديه. مددتهم تحت فرشة سريري وتظاهرت بالنوم.
لم يجدوا شيئا تلك الليلة. لكن أخي سيق الى قدره.. حين أطلق سراحه بعد اسبوع، قال لي: شكرا لانقاذ الممنوعات، لكن كيف عرفت بهم! وكان مثل كل الشباب يخرج من التوقيف حليق الشعر "عالقرعة".. فكل شاب نرى قرعته تلمع، نعرف انه كان ضيفا على "بيت خالته"، وهو الاسم الحركي للمعتقل.
بعض أساتذتنا كانوا يتغيبون لبضعة أيام او اسبوع، ثم يعودون "قرعانا".. وحين يتأخر استاذ، يصرخ الطلاب، أكيد هو الآن في بيت خالته، والاستاذ الذي لا يحبونه، يدعون عليه بتسليط المكتب الثاني "المخابرات" عليه، وكذلك حين لا ينجز أحد فروضه المطلوبة!
ذات يوم جاء "العازوري"، الى بيتنا. وهو الأشد إثارة للرعب لدى الجميع. لضخامته ولتجهم وجهه. طلبني ليقول لأبي: بنتك بلشت بطريق الانحراف، انتبه لها من اخيها!.

 

kh

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026