شركات الحج والعمرة ربحية.. ورسالتها الإنسانية مفقودة - د. ايهاب عمرو

كان يدور في خلدي منذ أن قمت بأداء مناسك العمرة براً برفقة والدتي منذ ما ينوف عن عشرة أعوام أن أعود مرة أخرى، وهو ما كان، لكن جواً هذه المرة. وما إن صعدنا سلم الطائرة المتجهة إلى المدينة المنورة وجلسنا في مقاعدنا حتى لاحظت وجود معتمرين من جنسيات عربية أكثرهم من الجزائر العظيمة. عند هبوط الطائرة، لاحظت أن هبوطها كان هادئاً حتى إنني لم أشعر به، والحقيقة أنني وكوني دائم السفر أستطيع القول أنني نعمت بهبوط هادئ جداً دون أية مشاكل تواجه المسافرين عادة في حالة الإقلاع والهبوط، وقد يكون ذلك عائداً إلى قدسية المكان.

عند وصولنا إلى المدينة المنورة، بدت أمور لم تكن في الحسبان، إذ إن موظفي الشركة التي جئت بواسطتها ومقرها مدينة عمان في الأردن أبلغوني أن أمر نقلي من مطار المدينة المنورة إلى الفندق تم ترتيبه مسبقاً، وأن المندوب السعودي المعتمد للشركة سوف يكون في المطار لاستقبالي وترتيب أمر نقلي إلى الفندق. لكن عند وصولي لم أجد أي مندوب، عندها توجه نحوي بعض المندوبين من شركة داخل المطار وظيفتها تسهيل مهمة المعتمرين وانتقالهم إلى فنادقهم، وقاموا بالاتصال بالمندوب المعتمد طالبين حضوره في الحال. كذلك، لاحظت مدى اهتمام وزارة الحج السعودية بأمور المعتمرين. وبعد فترة وجيزة حضر المندوب المعتمد وقام بطلب سيارة خاصة قامت بإيصالي إلى الفندق، عوضاً عن إيصالي بواسطة الباص مع معتمرين آخرين، مع ما يتطلبه ذلك من ضرورة الانتظار لمدة أطول. ومرد ذلك هو الاهتمام الذي حظيت به من قبل كافة المندوبين المتواجدين في المكان. وأثناء وجودي في المطار لاحظت وجود عائلات من كل من الأردن وفلسطين تنتظر وصول المندوبين ما يعكس طبيعة الترتيبات غير الدقيقة من قبل بعض الشركات في كلتا الدولتين.

عند وصولي إلى الفندق حدث أمر آخر، إذ أبلغني موظف الاستقبال أنه لا يوجد حجز باسمي في الفندق وأنه في حالة رغبتي المكوث لمدة ليلتين فإنه يتعين علي دفع مبلغ 400 ريال سعودي. عندها أبلغته أن الشركة التي قمت بالحجز بواسطتها أبلغتني بتمام الحجز وقمت بتزويده بما يثبت ذلك الحجز. عندها حضر معتمرون آخرون من فلسطين والأردن بواسطة شركات أخرى وأبلغهم موظف الاستقبال بعدم وجود حجوزات بأسمائهم قمت على الفور بالاتصال بالمندوب المعتمد وأبلغته بما حدث معي، فقام مشكوراً بالحضور شخصياً إلى الفندق، وتم ترتيب أمر انتقالي إلى فندق آخر، بسبب عدم توفر حجوزات في الفندق الأول. عندها طلبت من موظف الاستقبال الاتصال بمندوبي الشركات الأخرى من اجل تسهيل مهمة المعتمرين الآخرين، خصوصاً أن معظمهم كانوا من كبار السن رجالاً ونساءً يعاني معظمهم من مشاكل صحية، وهو ما حدث فعلاً. ولاحظت أثناء المدة البسيطة التي قضيتها في الفندق الأول حجم المشكلات التي يعاني منها المعتمرون، خصوصاً القادمين من فلسطين والأردن، بسبب عدم جدية بعض الشركات التي تعنى بأمور الحج والعمرة في كل من الأردن وفلسطين من جهة، وسبب ضعف المتابعة والاتصال والتنسيق بينها وبين الشركات السعودية أو المندوبين السعوديين من جهة أخرى. وأبلغني مندوب الشركة السعودية أنهم أكثر ما يعانون ويواجهون من مشاكل إنما يكون سببه شركات أردنية وفلسطينية.

وقامت السيارة الخاصة بإيصالي إلى الفندق الجديد برفقة المندوب المعتمد، والذي شرحت له أن المعتمر يفضل السفر عبر الجو رغم الكلفة المرتفعة بالمقارنة مع السفر عبر البر وذلك رغبة منه في تجنب أية معاناة قد تحدث أثناء السفر بواسطة البر.  غير أن المشكلات التي تواجه المعتمرين الذين يسافرون عبر الجو قد تكون طبيعتها مختلفة عما يمكن أن يألفه المعتمر عبر البر الذي يعاني أكثر من سوء التنظيم وبلاهة بعض القيمين على تلك الشركات، وكذلك بعض المرشدين الذي يكون همهم الأول الإثراء حتى دون سبب على حساب المعتمر.

وتكمن طبيعة المشكلات في الرحلات المنظمة جواً في عدم وجود حجوزات في الفنادق بأسماء المعتمرين القادمين عبر الجو، أو عدم وجود المندوبين في المطار، وكذلك عدم تزويدهم بالبرامج الخاصة بالعمرة أثناء إقامتهم ما يشمل زيارة المزارات، وكذلك ترتيب أمور انتقالهم من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، وإلى مطار جدة أو العكس، وتغيير الحجوزات الخاصة برحلاتهم بذريعة وجود ضغط في البرامج وعدم توفر أماكن كافية في الطائرة، رغم أن ذلك يعد مخالفاً لشروط الاتفاق.

وقارنت بين التنظيم الجيد وحسن المعاملة الذي تبديه شركات السفر التي تعنى بتنظيم الرحلات السياحية إلى دول عربية وأجنبية مقارنة مع ما تقوم به شركات تعنى بأمور الحج والعمرة بعضها أبعد ما يكون عن مرامي الرسالة الإنسانية والقيمية التي ينبغي أن تقوم بها تلك الشركات، خصوصاً أن أهدافها يجب أن تكون إنسانية كأصل، غير أن كثيراً منها يهدف إلى تحقيق الربح بأي شكل دون أدنى إعتبار لكرامة المعتمر أو الحاج أو الإهتمام بتسهيل أموره ودون مراعاة لحرمة المكان وعظم الرحلة من الناحية الروحية، خصوصاً أن معظم المعتمرين والحجاج يكونون من كبار السن. كما قارنت بين حسن التنظيم والمعاملة اللائقة التي تبديها الفنادق السياحية، وما تقوم به بعض الفنادق التي تقوم على استقبال وإيواء المعتمرين والحجاج من معاملة غير لائقة بسبب ضعف التنسيق بينها وبين الشركات في كل من الأردن وفلسطين ما يعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة عمل الشركات التي تعنى بأمور الحج والعمرة إنسجاماً مع الدور الإنساني والأخلاقي والديني الذي يتعين عليها أن تقوم به.

ختاماً، يتعين على شركات الحج والعمرة تغيير سياساتها بما يتواءم مع الرسالة الإنسانية السامية التي تحملها، وأن تعمل على تطوير الكادر لديها حتى يكونوا قادرين على التعاطي مع كافة التفصيلات ذات العلاقة بعيداً عن الشخصنة والمزاجية التي تحكم عملهم في كثير من الأحيان. أيضاً، يتعين على وزارتي الأوقاف في كل من الأردن وفلسطين القيام برقابة فاعلة للتأكد من إلتزام تلك الشركات بكافة المتطلبات الخاصة بتسيير رحلات الحج والعمرة سواء جواً أم براً.  كما يتعين عليها القيام بزيارات تفتيش دورية على مقرات تلك الشركات ومتابعة كافة المسائل ذات العلاقة، واتخاذ الإجراءات اللازمة في حالة حدوث أية مخالفة.

ha

التعليقات

ماذا يريد الفلسطينيون من القمة العربية؟

كتب: باسم برهوم
معظم الفلسطينيين ومعظم العرب فقدوا الثقة بالقمم العربية منذ زمن.. هذا الموقف تكون عبر خبرة طويلة شعر خلالها المواطن الفلسطيني والعربي أن هذه القمم تظهر عجز الأمة وليس قوتها، وفرقتها وليس وحدتها وتضامنها، ومع ذلك وبالرغم منه، فإن من الحصافة أن نرى بعضا من ايجابيات هذه القمم خصوصا في مراحل بذاتها. 
القمة العربية التي ستعقد في الأردن نهاية شهر آذار الجاري هي واحدة من القمم الهامة والمفصلية، أولا: لأنها تعقد في ظل أزمة عربية كبرى تهدد الأمة وجوديا، وثانيا: لأن تغيرات إقليمية ودولية واسعة وعميقة تجري من حولنا، يجري خلالها اشتعال العالم من نظام دولي إلى آخر، الأمر الذي سنشهد خلاله توزيعا جديدا لمناطق النفوذ، خصوصا في منطقتنا العربية وعلى حساب الأمة. 
وثالثا أن مصير القضية الفلسطينية، وعلى ضوء كل ما ذكر هو على المحك، هناك خطة تاريخية تعتقد حكومة نتنياهو اليمينية، ومعها الصهيونية العالمية أن الخطة مواتية لتصفية هذه القضية، فالقمة تعقد في مرحلة لها ما قبلها وما بعدها. 
ولأن الواقعية السياسية هي الأساس فإن ما يريده الفلسطينيون من هذه القمة، هو أيضا يراعي طبيعة المرحلة وخطورتها، لذلك فإن تحديد ما يريده الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية الشرعية من القمة ما يلي: 
أولا: التمسك بالمبادرة العربية كما هي، عبر رفض أي حل اقليمي يسعى إليه نتنياهو، لا ينهي الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية التي تم احتلالها عام 1967، فالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، هي عنصر استقرار في الشرق الأوسط. 
ثانيا: وبناء على ما سبق، لا بد من تأكيد القمة العربية على مبدأ حل الدولتين. 
ثالثا: تأكيد شرط وقف الاستيطان بشكل كامل وتام وفي القدس أولا، كمدخل للعودة لطاولة المفاوضات. 
رابعا: مواصلة الدعم لصمود الشعب الفلسطيني، وفي مقدمة ذلك صمودهم في القدس، إضافة إلى ضرورة انهاء الحصار على قطاع غزة. 
خامسا: عدم التدخل بالشأن الفلسطيني الداخلي، لأن هذا التدخل إما هو الذي تسبب في حالة الانقسام الراهنة، أو أنه  يطيل بعمرها ويعمقها. 
وهنا لا بد من الإشارة أن الشعب الفلسطيني وما لديه من شعور قومي فهو يدرك مشكلات الأمة العربية وأزماتها، ويدرك المخاطر التي تتهدد الأمة، لذلك هو لا يفرض قضيته على حساب القضايا العربية الأخرى، ولكن لا بد ان الأزمة الكبرى التي نشهدها اليوم لم تبدأ بالربيع العربي كما تبدو عليه الصورة المباشرة، وإنما بدأت عندما تركت الأمة العربية فلسطين وهي تزول عن خارطة المنطقة، وخارطة العرب، وأن يشرد أهلها. 
كما أن الانهيار بدأ عندما تخلت الأمة العربية عمليا عن قضيتها المركزية. إن إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في القمة القادمة، ووضعها على رأس الاهتمامات، هو ليس خدمة للشعب الفلسطيني وحسب، وإنما هي خدمة للأمة العربية جمعاء ففي ذلك عودة للروح، روح القومية، وهي قضية توحد ولا تفرق والاهتمام بها مجددا يعني بداية لوقف الانهيارات.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017