"الملتوت" طبق من الطابون

اعتادت الحاجة صبحية "أم محمد" بعد موسم الزيتون ومع حلول فصل الشتاء، أن تجمع أولادها وأحفادها نهاية كل أسبوع في حديقة منزلها وتجلس معهم حول شجرة زيتون تحتل مكانا في الحديقة .

أم محمد، أطالت النظر إلى الزيتونة وكأنها تستعيد ذكريات الماضي لجمع شمل هذه العائلة باستمرار حولها، كما أن الشجرة تنتج لها الزيت الذي تستخدمه في العديد من أصناف الطعام، وخاصة الأكلات الشعبية، والتي كانت من أساسيات الحياة قديما.

 أحضرت الحاجة أدواتها اللازمة لعمل فطائر" الملتوت" التي تحتفظ بها منذ عقود، كما يحتفظ جندي بعتاده لوقت الشدائد.

هذه الأدوات: طاولة خشبية مستديرة من خشب الزيتون اعتادت أن تصنع عليها مأكولاتها التي تشتهيها، وأداة الرقاق (المرقة)، والوعاء الذي يحوي دقيق القمح، وإبريق من الفخار مملوء بزيت الزيتون.

بدأت أم محمد بوضع كمية من دقيق القمح كانت تدخره من موسم حصاد القمح من العام المنصرم، في وعاء خاص للعجن والقليل من الملح والكركم (الحواجة)، ثم قامت بتقليبه بكفين منهكتين ترك الزمان عليهما خطوطا وبصمات ظاهرة.

أراحت العجين ما يزيد على النصف ساعة، ثم أخذت بتقطيعه أقراصا متساوية الحجم، فكانت بعينها الثاقبة تقدر وتقطع الأقراص دون كلل أو ملل. وضعت الأقراص في صفوف متراصة ومنتظمة على طاولتها الخشبي،  التي كانت تحتضنها أثناء العمل وكأنها تستعيد ذكريات قديمة معها.

وكطاه محتر،  تناولت أم محمد أداة الرقاق، أخذت ترق الأقراص على شكل قطع مستديرة رقيقة، وكانت الأقراص تطيع أداة الرقاق بشكل عجيب وكأن بينهما تنسيق واتفاق مسبق، وفي لحظات يتحول القرص الدائري إلى مرقوقة كبيرة مستديرة، وفي كل مرة وبعد أن ترق القرص تراوحه بين كفيها يمينا وشمالا حتى تجعله كالورقة وتضعه على الطاولة، ثم تبدأ برش زيت الزيتون ومسحه بباطن كفها، إضافة إلى بعض السمسم البلدي، وأخذت تطويه في كل مرة بعد أن تغرقه بالزيت حتى يصبح أشبه بجديلة فتاة في مقتبل العمر.

انتهت أم محمد من عمل الفطائر واستذكرت الأكلات الشعبية الأخرى، التي كان الناس يتناولونها باستمرار كالشيشبرك، والرقاقة باللبن أو العدس، والمشاط والمفتول البلدي.

وقالت: "الناس زمان كل أكلهم كان الزيت والرصيص مع خبز الطابون برد الروح، والزيت عمار البيت".

وأضافت أم محمد أن الناس قديما كانوا يعتمدون في طعامهم على موجودات ومزروعات الأرض أو المخزون لديهم في فصل الشتاء، كالقطين والعنبية والدبس والمجفف من البندورة أو البامية، مشيرة إلى أن هناك أكلات تؤكل في مواسم معينة، كالعنب والتين في فصل الصيف، اضافة إلى بعض الخضراوات التي تطرح نتاجها في ذلك الموسم، أما الزيت فكان في موسم الزيتون.

توجهت أم محمد إلى الطابون لخبز "الملتوت"، فتحت فوهة الطابون بحذر حتى لا يسقط شيء من الرماد ويلوث الفطائر التي تصطف في قعره بصفوف دائرية منتظمة،  وكأنها عمائم لفحتها شمس صيف حارق، تفوح منها رائحة زيت الزيتون.

وبعد أن أخرجتها من الطابون، التف حولها أفراد العائلة يتناولون هذه الفطائر مع القليل من السكر، كما يحب أحفادها، ويشربون معها الشاي، وبينما هم يتناولون الفطائر قالت الحاجة أم محمد إن هذه الأكلة كثيرا ما كان الناس يتناولونها، أما اليوم فقلما تكون هذه الأكلة على موائدهم، ولذلك حرصت الحاجة على جمع أفراد عائلاتها لتناول هذه الأكلات باستمرار، في سعي منها الحفاظ على عادات وأكلات تراثية.

ha

التعليقات

"سيرة وانفتحت"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لطالما فتحت "سيرة" غاز شرق المتوسط، وعلى هذا النحو الساخن الذي يوحي بترتيبات اقليمية جديدة، ترتيبات قطرية تماما، في حدود ما هو قائم من دول في هذا الاقليم (..!!) لطالما فتحت هذه "السيرة" على هذا النحو، ستفرض القراءة الموضوعية علينا ان نرى ان الانقلاب الحمساوي عام 2007 لم يكن انقلابا عقائديا على ما يبدو، ولا علاقة له بالسعي لتعزيز خنادق المقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان هناك حقل الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة والذي اكتشف نهاية التسعينيات من القرن الماضي وتم بناء حقله عام 2000 من قبل شركة الغاز البريطانية "بريتش غاز" نتذكر هنا ان الزعيم الخالد ياسر عرفات افتتح منصته.

هذا الحقل، هو أحد مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، التي لا تريدها اسرائيل اليمين العنصري المتطرف، ونعتقد انه منذ اكتشاف هذا الحقل بدأت اسرائيل بتمزيق اتفاقات اوسلو، ومع انسحابها احادي الجانب من قطاع غزة، كانت تمهد الطريق موضوعيا، للانقلاب الحمساوي، حتى يصبح بالامكان مع الانقسام وشعاراته الغوغائية، الاستحواذ على حقل الغاز الفلسطيني، الذي عرقلت اسرائيل بدء العمل فيه، واستثماره وفقا لاتفاق الشركة البريطانية مع السلطة الوطنية، حتى اغلقت هذه الشركة مكاتبها في تل أبيب ورام الله ..!

حتى في تفاصيل مشروع ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقته، أو "دولة" الامارة في غزة، لا ذكر لحقل الغاز الفلسطيني، وعلى الذين يغازلون هذا المشروع، ويتبادلون معه الخطابات المباشرة وغير المباشرة (تصريحات حمساوية عدة تشير الى ذلك) عليهم ان يدركوا انهم في المحصلة "سيخرجون من المولد بلا حمص" فلا حصة لأحد مع الاستعمار الاستيطاني ومشاريعه الاستحواذية..!! وسنرى بقوة الوقائع الموضوعية ان الذي اطال أمد الانقسام البغيض، وما زال يطيله حتى اللحظة، ليس غير استمرار محاولة تدمير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطين المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، المحاولة التي تقودها اسرائيل، والتي تريدها اليوم بترتيبات اقليمية، تكون هي فيها الدولة المركزية..!!

وعلى نحو واقعي، سنرى ان ما يسمى بصفقة القرن، ليست غير إقرار هذه الترتيبات الاقليمية التي تريدها اسرائيل، الصفقة التي لا نزاهة ولا عدل ولا سلام فيها، وهي التي تتوغل اليوم في عدوانها على القضية الفلسطينية، وهي تعلن انها ستنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية..!  

انها شهوة السيطرة المطلقة على مقدرات وثروات هذه المنطقة، وبقدر عنصريتها البغيضة، لا تريد لأي طاقة أمل ان تفتح أمام الشعب الفلسطيني، لعلها بذلك تكسر ارادته الحرة، واصراره على مواصلة طريق الحرية حتى الاستقلال.

بالطبع لن تكون "صفقة القرن" قدرا لا يمكن رده، ولنا اليوم مع المقاومة الشعبية خطة سلام بالغة العدل والحق والنزاهة والمصداقية، بخارطة طريق واضحة وصحيحة لا تستند لغير قرارات الشرعية الدولية، لنا هذه الخطة التي صفق لها المجتمع الدولي في مجلس الأمن، وباتت تلقى دعما على مختلف المستويات الدولية الاقليمية، بما يعني ثمة فرصة حقيقية لتفعيلها لتحقيق أهدافها النبيلة.

وحدهم الذين ما زالوا يتوهمون كعكة في مشاريع "الحدود المؤقتة" من لا يرى في خطة السلام الفلسطينية تقدما في طريق الحرية ذاتها، والأسوأ انهم لا يرون فيها فرصة لتعزيز خطواتهاعلى هذه الطريق، بانجاز المصالحة الوطنية كما يجب بقبر الانقسام البغيض، حتى نعيد لحقل الغاز الفلسطيني شعلته السيادية ونمضي قدما في بناء المزيد من مقومات دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية من رفح حتى جنين، ما زالت الفرصة قائمة، وما زال بالامكان المصالحة، فهل تخطو حماس خطوة تاريخية باتجاه الوطن ومصالحه العليا..؟

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018