كيف تذكرت يا أحمد... ولماذا لم تتغير في عصر العولمة ؟ د. إيهاب عمرو

تلقيت قبل شهور قليلة رسالة عبر تطبيق "واتس أب" من شخص عرف على نفسه أنه صديق الطفولة والدراسة قائلا انه بحث عني فترة طويلة حتى حصل على رقم هاتفي من أحد أقربائي. وقام بإرسال إيماءات معينة مثل أسماء المدرستين اللتان درسنا فيهما، وأسماء المدرسات والمدرسين الذين قاموا بتدريسنا خلال المرحلتين الإبتدائية والإعدادية، ثم طلب مني التعرف عليه.

عندها لم أجد صعوبة في تذكر بعض الزملاء الذين كانوا معي خلال تلك الفترة، حيث قضينا سنوات طوال على مقاعد الدراسة وكنا على الدوام نلازم بعضنا البعض في منازلنا، وكنا نمارس رياضة كرة القدم من خلال فريق المدرسة، وكنا نلازم بعضنا كذلك في فرق الكشافة المدرسية وفي المجموعات الفنية ذات العلاقة بالأنشطة المدرسية. حقيقة الأمر لم أجد عناء كبيرا في تذكره وفي توقع أنه هو المبادر بالاتصال، إنه صديقي أحمد الذي ينحدر من قرية عينابوس أو عين يبوس، التي تقع جنوب محافظة نابلس وتبعد عنها ما يقارب 12 كم، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى اليبوسيين. وقام صديقي أحمد بتزويدي بأخبار كافة الزملاء السابقين الذين أصبح معظمهم مهندسين، أطباء، محاسبين، ورجال أعمال كأحمد.

بقيت محادثته علامة فارقة في حياتي، وتواعدنا باللقاء عند زيارتي الأردن، وهو ما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، حيث قام مشكورا بدعوتي لتناول طعام الغداء في فندق ريجنسي بالاس الراقي في مدينة عمان، ثم قام بدعوتي مرة أخرى برفقة زميل آخر درس معنا ويعمل مدقق حسابات لتناول طعام الغداء في مطعم فاخر جدا في يوم لن يمحى أبدا من ذاكرتي، إذ قضينا وقتا ممتعا وتذكرنا كافة اللحظات الجميلة التي عشناها، وتحادثنا عبر تطبيق واتس أب مع زملاء آخرين بعضهم موجود في الأردن مثل إبراهيم الذي أصبح مهندسا معروفا وآخرون خارج الأردن مثل محمد الذي أصبح رجل أعمال في الولايات المتحدة الأميركية والمنحدر من قرية سلواد القريبة من مدينة رام الله.

عندما حادثتي أحمد في المرة الأولى قلت له كيف تذكرت بعد كل هذه المدة الطويلة؟ أجابني قائلا بدهشة وهل نسيتك، وهل نسيناك، الكل يذكرك، وذكرني بأنني كنت لاعب كرة قدم مميز على مستوى المدرسة وأنني لعبت كذلك في فريق الوحدات للناشئين.

إن أحمد الذي أصبح رجل أعمال مميز على مستوى الأردن حالة فريدة ومميزة في العصر الذي نعيش، إذ أنه يجمع كافة الزملاء السابقين ويذكرهم ببعضهم البعض، ويتواصل معهم عبر تطيبق واتس أب لا لشيء إلا ليذكرنا بالماضي الجميل. ولم يتغير أحمد في عصر العولمة إذ بقي ثابتا على مبدئه في عصر المتغيرات، ذلك أنه ينتمي لجيل تربى على احترام الصداقة واعتبارها بمثابة رابطة قرابة، جيل ينبذ صداقة المصالح ولا يعترف بها كأساس للعلاقات الإنسانية.

أعادني أحمد إلى الوراء ثلاثين عاما أو يزيد، وذكرني بكافة المعلمات اللاتي قمن بتدريسنا خلال المرحلة الإبتدائية، والأساتذة الذين قاموا بتدريسنا خلال المرحلة الإعدادية، خصوصا أن لديه علاقات مميزة مع معظمهم ويلتقي بعضهم في شركته.

لقد جئت يا أحمد أو عدت في لحظة كنت أحوج ما أكون فيها أن أعود إلى الوراء، أن أعود إلى ذاتي وأن أعيد اكتشاف نفسي، إذ جئت لتقول لي: كن كما كنت وكما ستكون، وعدت لتقول لي: لم تكن غير ما كنت ولن تكون. ودعته ولسان حالي يقول: من أين جئت يا أحمد وكيف عدت، وأحسبك عدت لتعيد إلي ذاتي وترسم لي حقيقة أمنياتي.

غادر أحمد بعد أن قام بإيصالي بسيارته عائدا إلى بيته، غير أنني لم أغادر تلك اللحظة الفارقة في حياتي.. أشتاق إليك يا أحمد.. أشتاق إليكم يا أصدقاء طفولتي.. أشتاق إليك يا طفولتي.. أشتاق إليك يا ذاتي..أشتاق إليك يا مدرستي، أشتاق إليكم يا معلماتي ويا أساتذتي.

ha

التعليقات

"الأميركي القبيح"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

في خمسينيات القرن الماضي كتب الروائي الأميركي وليم ليدرر، رواية كان موضوعها الأساسي أو ثيمتها الرئيسة- كما يقال بلغة الأدب- قبح السياسة الأميركية، التي تقبح أكثر الرجال والنساء جمالا ووسامة، وأطلق على  روايته اسم "الأميركي القبيح" ومن الواضح الْيَوْمَ ان هذا الروائي لم يكن يكتب عملاً ادبيًّا، بقدر ما كان يسجل طبيعة وحقيقة الإرسال الواقعي للسياسة الأميركية والسياسيين الأميركيين، الإرسال الذي ما زال على حاله حتى اللحظة، بل وقد بات أكثر قبحا واكثر صلفا، ومن يسمع ما قالته  "أليسا فرح" المتحدثة باسم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس" لن يرى سوى القبح، وقد تجسد بكامل هيئته التي تدفع الى التقيؤ...!!!

هذه المتحدثة تريد منا وبتصريح غاية في الصفاقة والصلف، ان نصدق ما لا يمكن تصديقه بعد الآن، ان الولايات المتحدة تريد حقا صنع السلام في الشرق الأوسط ..!!! لا والأدهى والأكثر قبحا وفقا لتلفيقات هذه المتحدثة، اننا نحن من يدير الظهر الآن لعملية السلام...!! بسبب اننا لن نستقبل نائب الرئيس الأميركي "مايك بنس" وكأن عملية السلام ما زالت بخير وعافية، وهي التي أشبعها الرئيس ترامب قتلا بقراره الأرعن اعتبار القدس الفلسطينية العربية عاصمة للدولة التي تحتلها...!!! لا بل ان هذه العملية لطالما كانت متعثرة بسبب الانحياز الأميركي الدائم لدولة الاحتلال، فعن أي عملية تتحدث الناطقة باسم "بنس"..؟؟ وعن أي دور للولايات المتحدة يمكن ان يكون في هذه العملية والرئيس الأميركي قد أجهز عليه تماما..!!

وعلى ما يبدو ان "الأميركي القبيح" مشبع بالوهم حتى يتصور ان الضحية يمكن ان تصفق لجلادها، التصفيق الذي أراده منا باستقبال صناع سياسة الطعن  والانحياز والخديعة، باستقبال "بنس" ..!! أليست هذه بعضًا من عقلية "الكوكلوكس كلان" بعضا من تمنياتها المريضة، ان تصفق الضحية لجلادها، وان تقبل به سيدا لا ترد له كلمة، ولا يعصى له أمر حتى وهو يغرز حرابه في خاصرتها...!! على "الأميركي القبيح" ان يصحو من أوهامه هذه، لن نصفق أبدا لجلادينا، الفلسطينيون أهل التحدي، ولا يقبلون الضيم أبدا، وهم أسياد حالهم وقرارهم وحماة أرضهم ومقدساتهم الاسلامية والمسيحية، وقد تزنروا الْيَوْمَ بروح جماهير الأمة العربية ومعها احرار العالم أجمع، وقد هبت هبة رجل واحد تندد بقرار ترامب، التنديد الذي لا يحمل غير رسالة القدس النبوية، ولا يقبل بغير مستقبلها عاصمة لدولة فلسطين, وحاضنة للسلام والمحبة بروحها العربية والإنسانية.

لا كلمات يمكن لها ان تصنع  مساحيق التجميل التي يريدها "الأميركي القبيح" ولا ثمة ادعاءات بعد قرار ترامب قادرة ان تؤلف هذه المساحيق، الاعتراف بالخطأ والخطيئة وحده من يستطيع التجميل، بل من يزيل القبح من أجل وجه النزاهة المشرق، وللشعب الأميركي نقول ونؤكد ان الأميركي القبيح ليس انتم، إنما هو رجل السياسة هذا الذي ينحاز للظلم والاحتلال والعنصرية البغيضة، ما من شعوب قبيحة ابدا، بل جماعاتها بقواها وأحزابها اليمينية المتطرفة، التي لا تسعى لغير العنف والارهاب والعدوان، ولطالما سقطت هذه الجماعات وستبقى تسقط حتما.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017