الأسمراني محمد: برتقال و"دُمدُم"!

تتوسط صورة  الفتى الأسمراني أعشابًا برية تنمو على حواف طريق بمخيم الفارعة، فيبوح المشهد بتفاصيل وجه  حنطي، وشعر ناعم، وعيون عسلية، وملابس شتوية، فيما تكشف عبارة مطبوعة حديثًا عن صاحبها، لتشير إلى محمد رشدي العبوشي، الذي سار آخر مرة في أزقة المخيم يوم 15 كانون الثاني 1989.

يلتقط شقيقه جميل الصورة ويحتضنها ليسرد بألم: "كنت أنا وأخوتي محمد ومنير نعمل في تقليم بيارة برتقال قرب المخيم، وفجأة فقدنا محمد، الذي عاد بعد وقت قصير ليخبرنا عن إصابته برصاصة طفيفة مطاطية في القدم اليمنى، فأكملنا العمل، وطلبنا منه أن يبقى، ثم استغل صعودنا لشجرة أخرى ليهرب من جديد".

رصاصة واحدة

يبدو جميل بوجه حزين، فيما بدأت مسارات الشيب تشتعل في رأسه، ويواصل إعادة بناء أحداث ظهيرة الأحد، اليوم الذي يستعصي الرحيل من ذاكرته ليقول: لم تمر غير لحظات قصيرة إلا واندلعت جبهة إطلاق نار في المخيم، فسألت منير: أين محمد؟ فتوقنا عن العمل، وخرجنا من البيارة، لنسمع الناس وهم يقولون: (شهيد، شهيد في المخيم). ووصلنا محمد لنراه يسبح في دمه، بعد أصابته برصاصة دمدم متفجرة اخترقت قلبه مباشرة، أطلقها جنود وحدة (جولاني) من مسافة قصيرة.

يوغل العبوشي في المزيد من التفاصيل الموجعة، فيبثها خلال الحلقة (39) من سلسلة (كواكب لا تغيب) التي تنفذها وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، وتنشر بالتعاون مع وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا): "كان محمد طويل القامة، وهو الأصغر في العائلة، ويسبقه: يوسف، ومنصور، ونعمة، وليلى، ومنير، وسمير، وجمال، ونورا، وختام، وسهام، وأنا. ورحل والدي عام 1984، أما أمّي ذيبة فتوفيت عام 2000، وترك محمد المدرسة، وصار يعمل في الزراعة بالأغوار، ويساعدنا في قطف وتقليم وتعشيب البرتقال، وحين اشتعلت انتفاضة الحجارة صار أخي يتعلق بها، وينشط في صناعة الأعلام، والاحتفاظ بصور القادة والشهداء."

 

شهيد مؤجل!

ووفق جميل، فإن صديق شقيقه، واسمه خالد صالح ناصر، أصيب قبل يوم واحد، ونقل إلى مستشفى الاتحاد بنابلس، والتحق محمد به لزيارته، وكان يقول للممرضين (غدًا سأزوركم شهيدًا)، وفي اليوم التالي، نُقل الزائر إلى المكان ذاته، ولكن بعد إصابته الحرجة، ما أذهل الممرضين وأحزنهم.

يتابع الراوي: نقلنا محمد بعد الإصابة، وقبل أن نصل عين الفارعة، قال لنا ( متتعبوش حالكم، مش راح تلحقوني) ونطق الشهادتين، ثم أغمض عينيه، لكننا واصلنا السير إلى المستشفى خشية اختطاف جنود الاحتلال للجثمان.

تنحدر عائلة محمد من قرية (سيدنا علي)، التي حولها الاحتلال إلى (هرتسيليا)، فيما غير إحصاء السكان اسم العائلة من الجندي إلى الجندب، واكتسبت لقب (العبوشي) حين أقامت بعد النكبة فترة قصيرة في كفر عبّوش بمحافظة طولكرم، قبل أن يستقربها المقام في مخيم الفارعة .

صديقان وأم

يوالي الخمسيني جميل: كان محمد يقول لأمي قبل الانتفاضة إنه سيتزوج ويبني بيتًا، ثم صار يخبرها بأنه سيكون شهيدًا، وسيلحق بصديقه عبد المنعم يوسف شاهين، الذي رحل يوم 24 تشرين أول 1989، فتطلب والدتي تغيير الموضوع، ثم يضحك.

يستجمع العبوشي اللحظات الجميلة التي يتقاسمها مع محمد، فكانا يلعبان (الجلول/ البنانير) في أزقة المخيم، وأحبا (الدقة والحاح) كثيرًا، واحتفظ الأخ الأصغر بحصان خشبي، وصمدت الأرجوحة طويًلا في ساحة المنزل، وأحبا الأحاديث والنكات خلال العمل في بساتين البرتقال والليمون.

ولا تسقط من ذاكرة الأخ مشاهد البلوزة الحمراء، والبنطال الأزرق، الذي ودعهم محمد بها، في يوم كانت شمس الشتاء تسطع فوق المخيم، لكنها عجزت عن إغراء محمد لمواصلة العمل وتناول الغداء الأخير. وبعد يومين من وداعه لحق به الشهيد إبراهيم جبر صيام، ليحمل لقب ثالث شهداء انتفاضة الحجارة.

ينهي: أطلقنا اسم محمد على خمسة من أبنائنا، أكثرهم شبهًا ولدي، الذي تذكرني حركاته وسرعته، وخفة دمه به. ولو بقي محمد الأول لصار اليوم أولاده طوله.

 

وجع الغياب

بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف إلى أن (كواكب لا تغيب) التي تمضي في عامها الرابع، وتنفذ بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ستعيد جمع المقتنيات الخاصة لشهداء انتفاضة الحجارة، تمهيدًا لتدشين معرض مفتوح يبوح بتفاصيل إنسانية.

وأضاف: أحصينا خلال إعادة كتابة 45 شهيدًا الكثير من المتعلقات الشخصية، كالكتب، والمذكرات، والألعاب، وجوازات السفر، وشهادات الثانوية العامة، والملابس، وخصال الشعر، وأدوات العمل، وغيرها، وكلها توثق سيرة وجع الغياب.

ــــــ

ha

التعليقات

"سيرة وانفتحت"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لطالما فتحت "سيرة" غاز شرق المتوسط، وعلى هذا النحو الساخن الذي يوحي بترتيبات اقليمية جديدة، ترتيبات قطرية تماما، في حدود ما هو قائم من دول في هذا الاقليم (..!!) لطالما فتحت هذه "السيرة" على هذا النحو، ستفرض القراءة الموضوعية علينا ان نرى ان الانقلاب الحمساوي عام 2007 لم يكن انقلابا عقائديا على ما يبدو، ولا علاقة له بالسعي لتعزيز خنادق المقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان هناك حقل الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة والذي اكتشف نهاية التسعينيات من القرن الماضي وتم بناء حقله عام 2000 من قبل شركة الغاز البريطانية "بريتش غاز" نتذكر هنا ان الزعيم الخالد ياسر عرفات افتتح منصته.

هذا الحقل، هو أحد مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، التي لا تريدها اسرائيل اليمين العنصري المتطرف، ونعتقد انه منذ اكتشاف هذا الحقل بدأت اسرائيل بتمزيق اتفاقات اوسلو، ومع انسحابها احادي الجانب من قطاع غزة، كانت تمهد الطريق موضوعيا، للانقلاب الحمساوي، حتى يصبح بالامكان مع الانقسام وشعاراته الغوغائية، الاستحواذ على حقل الغاز الفلسطيني، الذي عرقلت اسرائيل بدء العمل فيه، واستثماره وفقا لاتفاق الشركة البريطانية مع السلطة الوطنية، حتى اغلقت هذه الشركة مكاتبها في تل أبيب ورام الله ..!

حتى في تفاصيل مشروع ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقته، أو "دولة" الامارة في غزة، لا ذكر لحقل الغاز الفلسطيني، وعلى الذين يغازلون هذا المشروع، ويتبادلون معه الخطابات المباشرة وغير المباشرة (تصريحات حمساوية عدة تشير الى ذلك) عليهم ان يدركوا انهم في المحصلة "سيخرجون من المولد بلا حمص" فلا حصة لأحد مع الاستعمار الاستيطاني ومشاريعه الاستحواذية..!! وسنرى بقوة الوقائع الموضوعية ان الذي اطال أمد الانقسام البغيض، وما زال يطيله حتى اللحظة، ليس غير استمرار محاولة تدمير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطين المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، المحاولة التي تقودها اسرائيل، والتي تريدها اليوم بترتيبات اقليمية، تكون هي فيها الدولة المركزية..!!

وعلى نحو واقعي، سنرى ان ما يسمى بصفقة القرن، ليست غير إقرار هذه الترتيبات الاقليمية التي تريدها اسرائيل، الصفقة التي لا نزاهة ولا عدل ولا سلام فيها، وهي التي تتوغل اليوم في عدوانها على القضية الفلسطينية، وهي تعلن انها ستنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية..!  

انها شهوة السيطرة المطلقة على مقدرات وثروات هذه المنطقة، وبقدر عنصريتها البغيضة، لا تريد لأي طاقة أمل ان تفتح أمام الشعب الفلسطيني، لعلها بذلك تكسر ارادته الحرة، واصراره على مواصلة طريق الحرية حتى الاستقلال.

بالطبع لن تكون "صفقة القرن" قدرا لا يمكن رده، ولنا اليوم مع المقاومة الشعبية خطة سلام بالغة العدل والحق والنزاهة والمصداقية، بخارطة طريق واضحة وصحيحة لا تستند لغير قرارات الشرعية الدولية، لنا هذه الخطة التي صفق لها المجتمع الدولي في مجلس الأمن، وباتت تلقى دعما على مختلف المستويات الدولية الاقليمية، بما يعني ثمة فرصة حقيقية لتفعيلها لتحقيق أهدافها النبيلة.

وحدهم الذين ما زالوا يتوهمون كعكة في مشاريع "الحدود المؤقتة" من لا يرى في خطة السلام الفلسطينية تقدما في طريق الحرية ذاتها، والأسوأ انهم لا يرون فيها فرصة لتعزيز خطواتهاعلى هذه الطريق، بانجاز المصالحة الوطنية كما يجب بقبر الانقسام البغيض، حتى نعيد لحقل الغاز الفلسطيني شعلته السيادية ونمضي قدما في بناء المزيد من مقومات دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية من رفح حتى جنين، ما زالت الفرصة قائمة، وما زال بالامكان المصالحة، فهل تخطو حماس خطوة تاريخية باتجاه الوطن ومصالحه العليا..؟

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018