جدران مطارَدة

 رشا حرز الله

وصلت الرسالة المشفرة عبر إذاعة صوت فلسطين "صوت الثورة"، التي كانت تبث وقتها من العاصمة العراقية بغداد، وكانت: "إلى الأسد المقنع، لقد وصلت رسالتكم وعليكم بـ (أ، ز، م)، كذلك عليكم بـ (3،2، م، ع، ت، س).

الرسالة كانت تحمل تعليمات من قيادات "لقطاع الغربي"، (وهي التسمية للقيادة المسؤولة عن الأرض المحتلة في حركة فتح، للخلايا الفدائية)، في فقرة هي الأكثر رهبة، ووقعا في النفوس من بين فترة البث اليومية التي كانت تستمر على مدى ساعتين، في وقت وضعت قيادة منظمة التحرير جل تركيزها على تهيئة الجماهير داخل الأرض المحتلة لانتفاضة الحجارة التي انطلقت عام 1987.

استقبلها بعض أفراد الخلية المعنية وقلوبهم تكاد تقفز من صدورهم، ومن بينهم زياد أبو لطيفة. حللوا محتواها، ثم أصدروا أوامرهم لباقي الأفراد بضرورة التسلل ليلا تجاه "النقطة الميتة"، وهي عبارة عن شجرة زيتون منتصبة على طرف مخيم قلنديا حيث ينحدرون، ومن هناك عرف كل منهم مهمته.

أسفل الشجرة وجد زياد ورفاقه عددا من علب بخاخ "البوية"، وكوفيات وأقنعة حتى لا يتم كشف هوياتهم من قبل المتعاونين مع الاحتلال "الجواسيس"، إلى جانب مجموعة من البيانات "مناشير"، وورقة كتب عليها عدد من الشعارات التي يتطلب من الخلية كتابتها على الجدران.

حمل زياد، الذي أوكلت إليه مهمة الكتابة على الجدران علبة "البخاخ"، وانتظر حتى مغيب شمس يوم الخميس، وخط أولى عباراته الثورية على جدران مسجد المخيم "فتح مرت من هنا"، وعلى حائط آخر "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة"، وفي حارة أخرى كتب على أحد جدرانها "الانتفاضة مستمرة رغم أنف الاحتلال"، ثم وقع تحت كل عبارة بـ (ق، و، م) وتعني القيادة الوطنية الموحدة.

قوبلت هذه العبارات بحماسة من أهالي مخيم قلنديا، شمال القدس المحتلة، حيث تجمهروا حولها. يومها جن جنون الاحتلال، الذي باشر على الفور باقتحام المخيم وفرض نظام منع التجول، ومداهمة منازل المواطنين، وأجبر كبار السن على محو العبارات بطلاء أبيض.

في المخيم أيضا، أعدت مطابع سرية لطباعة البيانات والمناشير والشعارات المقرر كتابتها على الجدران، وفق تعليمات القيادة سواء في الخارج أو الداخل، حيث لم يكن الخيار متروكا لزياد ورفاقه.

"أفراد الخلية كانوا يلتزمون بتلك الأوامر، التي تهدف إلى تنظيم العمل وتأجيج الانتفاضة، والحشد والتعبئة لدى الجماهير، وتعزيز روح المقاومة لديهم، فالدعوة إلى الإضراب مثلا كانت تلقى صداها لدى الكبير والصغير"، قال زياد.

لم تكن طريقة الرسائل المشفرة هي السبيل الوحيد لدى المقاومين، فعلى ورق خفيف بخط اليد، كانت تصل البيانات والشعارات التي من المفترض أن تكتب على الجدران، من خلال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمان، يتم تهريبها إلى الضفة الغربية، بواسطة "كبسولات" يبتلعها رجال ونساء، ليس لهم علاقة بالعمل الميداني، لعدم إثارة شبهات الاحتلال.

كانت هذه الكبسولات تصل الى "خلايا نائمة"، دربوا خلال الانتفاضة، ومهمتها تضليل العدو، واستلام المهمات حال استشهاد أو اعتقال أي من أفراد الخلايا النشطة، كل ذلك كان يجري بسرية تامة.

السرية ذاتها كانت، في ايصال رسائل لـ "جواسيس" الاحتلال، باستخدام وسائل كالكتابة على الجدران، ويذكر زياد، أنه في إحدى المرات كتبت خليته على جدران بوابة المخيم إلى أحد العملاء بعد أن جمعت كامل المعلومات عنه: "عليك تسليم نفسك إلى التنظيم لتسوية أوضاعك" مرفقا برمز اسمه وعائلته، فباتت الجدران "صحيفة حجرية" في ذلك الوقت.

"كنا نحرص على كتابة رسائل للعملاء في منتصف السوق، أو على بوابة المخيم، وليس على جدران منزله، حتى لا يتم التشهير به وبأسرته، أو يتم كشف أمره، في الوقت الذي كان الكثيرون منهم يستجيبون لهذه الرسائل ويسلمون أنفسهم للتنظيم، الذي بدوره يعيد تأهيلهم، ويعطيهم فرصة ليعودوا إلى الصف الوطني، مع تشديد المراقبة عليهم، كل ذلك يجري بعلم عدد قليل من أفراد التنظيم وبسرية تامة"، قال زياد.

كما حرص قادة المقاومة في انتفاضة الحجارة، على انتقاء الخطاطين، ممن يتقنون فن الخط، ويشترطون عليهم بأن يكون خطهم واضحا ومقروءا للجميع، وخاليا من الأخطاء الإملائية، كي تتمكن الناس جميعها من قراءته، كان زياد ورفاقه ينبهون الآخرين: "من كان خطه سيئ وغير مفهوم فليكتفِ بمراقبة الطريق".

نشط زياد في مهمة الكتابة على الجدران، نظرا لشُحّ الإمكانات المتوفرة لحشد الجماهير آنذاك، ورغم ممارسة عمله بسرية، غير أن الاحتلال تمكن منه من خلال الأعين التي زرعها داخل المخيم، بعد مطاردة استمرت طيلة ستة أشهر، أصيب خلالها بالرصاص أكثر من مرة.

ففي واحدة من الليالي الأشد على مخيم قلنديا، حيث حاصره الجنود من مداخله كافة، آثر زياد التسلل لرؤية أمه بعد فترة غياب طويلة، وتناول طعامه والاستحمام.

"تمام الثانية عشرة منتصف الليل، كنت أتناول طعام العشاء، اقتحموا البيت واعتقلوني، أخضعت لتحقيق قاسٍ في المسكوبية وعناتا، ضربوا رأسي بالحائط، وشبحوني أياما طويلة، ثم نقلوني إلى سجن عوفر، كانت تهمتي الأولى الكتابة على الجدران، التهمة التي اعتقلت بسببها أكثر من 18 مرة"، قال.

ما تزال جدران مخيم قلنديا، الذي يبعد 11 كيلو مترا عن القدس المحتلة، تزخر بالشعارات الثورية والرسومات وصور الشهداء، لكن حائط الشارع وجد له حائطا مساندا. فبعد ثلاثين عاما على انتفاضة الحجارة، تطورت أساليب التعبير، ومع بروز مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل التعبير إلى "حائط الفيسبوك"، ما استدعى الاحتلال استحداث "وحدة خاصة"، مهمتها مراقبة ما وصفته بـ"التحريض الفلسطيني عبر شبكات التواصل الاجتماعي".

"الرحمة للشهداء، والمقاومة مستمرة"، كلمات كتبها صهيب زاهدة من مدينة الخليل على صفحة "الفيسبوك"، لتترصد له القوات الخاصة في اليوم الثاني على حاجز "الكونتينر" شمال بيت لحم، وتختطفه وتزج به في السجن لأكثر من 10 أيام، أفرج عنه بعدها بكفالة مالية قيمتها 4 آلاف شيقل، مع حكم بالسجن لعامين مع وقف التنفيذ.

أخضع زاهدة لتحقيق نفسي قاسٍ، وتهديد مستمر، لمحاولة انتزاع الرقم السري الخاص بصفحته، حيث استعرض أمامه المحققون منشوراته على صفحته الشخصية، لإدانته بتهمة "التحريض على العنف".

"تم عرضي على ثلاثة محققين، استجوبوني حول منشوراتي، وما الغرض منها، بقيت طيلة عشرة أيام في التحقيق، مارسوا ضدي التعذيب النفسي والتهديد، قالوا لي إنه في حال استمراري بالنشر سيكون مصيري السجن"، قال صهيب.

كلمتا: "شهيد" و"انتفاضة"، كانتا سببا لاعتقال الصحفية المقدسية سماح الدويك، هاتان الكلمتان زجتا بها في السجن لستة أشهر، لأنهما من وجهة نظر الاحتلال كلمات "محرضة"، تعرضت خلالها للتحقيق والتهديد والاعتقال، وحقق معها حول 11 منشورا، من ضمنها ما كتبته حول استشهاد مهند الحلبي "الله يرحمك يا شهيد مهند الحلبي".

زاهدة ودويك ليستا الحالتين الوحيدتين، فأكثر من 250 حالة اعتقال على خلفية النشر على مواقع التواصل الاجتماعي نفذها الاحتلال منذ بداية الهبة الشعبية الحالية بحق شبان وأطفال وصحفيين ونشطاء، متهما إياهم بـ"التحريض"، وأصدرت محاكمه أحكاما بالسجن وصلت لأكثر من سنة، إلى جانب غرامات مالية.

ورغم قناعة زياد أبو لطيفة، الذي جاوز عمره الآن 45 عاما ويعمل في محل للعطارة افتتحه وسط مخيم قلنديا، بمدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في إحداث "دوشة" للاحتلال، وامتلاكه صفحة شخصية على موقع "الفيسبوك"، بيد أنه ما زال يرى أن لعلبة "البوية"، والأقنعة، والكوفيات، "وقعا أكبر على الجماهير".

ha

التعليقات

قمة عمان .. فلسطين أولا

كتب رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

يدخل الرئيس أبو مازن اليوم قاعة اجتماعات القمة العربية الثامنة والعشرين - قمة عمان- وبين يديه ملف القضية الفلسطينية وقد عادت إلى مكانتها كقضية مركزية للأمة العربية، دولا وسياسة وقرارات، وهي التي لم تكن إلا كذلك دائما وما زالت قضية مركزية في وجدان شعوب الأمة ونضالاتها الوطنية والقومية.

وتستعيد قضيتنا المقدسة، مكانتها المركزية بعنوان شرعيتها الوطنية والدستورية، بعد محاولات ما سمي الربيع العربي، ولاعتبارات وتدخلات خارجية ملتبسة (...!!) أولا، وبعد محاولات تجميعات مشبوهة ومريضة ثانيا وبمؤتمرات مدفوعة الأجر، أن تجعلها قضية ثانوية لا تستحق اهتمام المتابعة، وحتى الدعم كما ينبغي أن يكون.

ومن المؤكد أنه ما كان للقضية الفلسطينية أن تستعيد مكانتها المركزية لولا العوامل والمعطيات الفلسطينية ذاتها عوامل ومعطيات الصمود الوطني الفلسطيني، صمود شعبنا وثباته على أرض وطنه، صمود التحديات النضالية بذات التضحيات العظيمة، صمود القرار الوطني المستقل، بقيادته الحكيمة التي واصلت اقتحاماتها الشجاعة والبليغة، لمختلف ساحات الاشتباك السياسي، وحيث محافل صنع القرار الدولي، لتراكم المزيد من معطيات الحل العادل للقضية الفلسطينية، والذي لن يكون إلا بقيام دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران بعاصمتها القدس الشرقية، ودائما مع حل لقضية اللاجئين وفق القرار الأممي 194 والمبادرة العربية للسلام.

ولأن الحقائق بكل هذا الشأن هي هذه على وجه اليقين، يدخل الرئيس أبو مازن قاعة اجتماعات القمة العربية، بروح العزة الوطنية، وبقوة إرادتها الحرة، وقرارها المستقل وباصالتها القومية، ليضع النقاط على حروفها في كل ما يتعلق بسبل الحل العادل للقضية الفلسطينية، وعلى قاعدة وحدة الموقف العربي، سواء تجاه المبادرة العربية للسلام، أو حل الدولتين وفق أسس الشرعية الدولية، وتحقيقا لأهداف الشعب الفلسطيني العادلة، واستعادة حقوقه المشروعة.

ويدخل الرئيس أبو مازن، واثقا من تفتح الأمل بواقعية صمود أبناء شعبه، وسلامة أطره النضالية في بنيتها الشرعية ويدخل مقبلا دون تردد، على صفحة جديدة من العمل العربي المشترك وقد عادت فلسطين أولا.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017