"جريمة في رام الله".. بين دور النيابة العامة بحماية المجتمع وكفالة حرية الرأي والحق في التعبير

المحامي د. إيهاب عمرو

ثار الجدل خلال الأيام القليلة الماضية داخل المجتمع الفلسطيني بعد صدور قرار النيابة العامة الموقرة بمصادرة كافة نسخ رواية "جريمة في رام الله" بسبب احتوائها، وفقاً لقرار النيابة العامة، على نصوص ومصطلحات مخلة بالآداب والأخلاق العامة. واستند القرار المذكور إلى التحقيقات التي قامت النيابة العامة بإجرائها فيما يتعلق بالرواية كونها تمس حياء المواطن الفلسطيني وخاصة الأطفال، وكونها تتنافى كذلك مع الاتفاقيات الدولية ومنظومة القوانين الفلسطينية ذات العلاقة، خصوصا قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لعام 1995. وأكدت النيابة العامة أن هذا القرار لا يتنافى مع حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون التي توجب الالتزام بالمبادئ والقيم الأخلاقية في إطار ممارسة حرية الرأي والتعبير. بناء على ما سبق، قامت النيابة العامة بتسطير مذكرات إحضار لكل من المؤلف والناشر الموزع، ليتم استكمال إجراءات التحقيق حسب الأصول والقانون.

بالمقابل، قامت بعض الجهات الحقوقية والنخب الفكرية بإثارة تلك القضية واعتبارها قضية رأي عام مستندين في ذلك إلى حرية الرأي والحق في التعبير اللذين كفلتهما القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية التي انضمت فلسطين لها مؤخرا، خصوصا أن قرار النيابة العامة سالف الذكر، حسب تلك الجهات الحقوقية، جاء بعد مضي أربعة أشهر من طرح الرواية في الأسواق وأن قانون المطبوعات والنشر ينص في المادة (47) على أنه يجوز للسلطة المختصة بقرار إداري، وليس قضائي، ضبط ومصادرة جميع نسخ المطبوعة الصادرة في ذلك اليوم وللمحكمة أن تأمر بتعطيل صدور المطبوعة تعطيلا مؤقتا ولمدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر. وأضافت تلك الجهات أن فكرة تعارض الرواية مع الأخلاق العامة لم يشملها قانون المطبوعات والنشر في المادة (37) منه التي نصت على ما يلي: "يحظر على المطبوعة أن تنشر ما يلي: (أ) الأخبار والتقارير والرسائل والمقالات والصور المنافية للأخلاق والآداب العامة".

إن الجدل الذي ثار، ولا يزال، يحتم علينا وضع النقاط على الحروف بخصوص تلك القضية. والمدخل لذلك، حسب رأيي المتواضع، يكون من خلال التوفيق بين دور النيابة العامة كحارس للعدالة الجنائية من جهة، وبين كفالة حرية الرأي والحق في التعبير المنصوص عليهما في القانون الأساسي المعدل لعام 2003.

من جانب، تعد النيابة العامة جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية، ويطلق على أعضاء النيابة العامة اسم "القضاة الواقفين" للدلالة على دورهم في حماية المجتمع ورعايته. وتعد النيابة العامة صمام الأمان للمجتمع من أي اعتداء قد يقع عليه، كونها تمثل المجتمع وتنوب عنه عند حدوث اعتداء يهدد أمنه وسلامته. وتقوم النيابة العامة كذلك على منع ارتكاب الجرائم وملاحقة مرتكبيها والتحقيق معهم وإحالتهم للمحاكمة تحقيقا للأهداف سالفة الذكر.

في سبيل ذلك، تعد النيابة العامة الجهة التي يعهد اليها بمهمة تمثيل الحق العام أمام القضاء، وتختص دون غيرها بتحريك الدعوى العمومية ومتابعة سيرها امام المحاكم حتى يصدر فيها حكم قطعي وتقوم بمتابعة تنفيذه، وفقا لنص الفقرة الثانية من المادة (107) من القانون الأساسي المذكور أعلاه التي تنص على ما يلي: "يتولى النائب العام الدعوى العمومية باسم الشعب العربي الفلسطيني ويحدد القانون اختصاصات النائب العام وواجباته". وكذلك وفقا لنص المادة (67) من قانون السلطة القضائية لعام 2002 التي تنص على ممارسة النيابة العامة الاختصاصات المخولة لها قانونا، وأن لها دون غيرها الحق في رفع الدعوى الجنائية (دعوى الحق العام) ومباشرتها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. وفي ذات السياق تنص المادة (1) من قانون الإجراءات الجزائية لعام 2001 على إختصاص النيابة العامة دون غيرها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها وأنه لا يجوز أن تقام تلك الدعوى من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون. وتتمتع النيابة العامة بسلطات التحقيق والاتهام والمرافعة أمام الجهات القضائية المختصة والاشراف على تنفيذ الاحكام الجزائية. ويشمل الإطار القانوني الذي يحكم وينظم عمل النيابة العامة في فلسطين بشكل رئيسي كل من القانون الأساسي المعدل لعام 2003، قانون السلطة القضائية لعام 2002، وقانون الإجراءات الجزائية لعام 2001، كما أوضحنا آنفا.

من جانب آخر، لا بد من إعادة التأكيد على أن حرية الرأي والحق التعبير كفلهما القانون، وذلك كحق وليس كمنة، لكن دون مخالفة أحكام القانون، حيث تنص المادة (19) من القانون الأساسي على ما يلي:  "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون". وتنص المادة (2) من قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لعام 1995 على ما يلي: "الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني، وله أن يعرب عن رأيه بحرية قولا، كتابة، وتصويرا ورسما في وسائل التعبير والإعلام". في حين تضع المادة (7) من ذات القانون قيدا على تلك الحرية واجب الإلتزام به كما يظهر من طبيعة القاعدة القانونية الآمرة، حيث تنص المادة المذكورة على ما يلي: "أ- على المطبوعات أن تمتنع عن نشر ما يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية وحقوق الإنسان واحترام الحقيقة وأن تعتبر حرية الفكر والرأي والتعبير والاطلاع حقا للمواطنين كما هي حق لها. ب- يجب أن لا تتضمن المطبوعات الدورية الموجهة إلى الأطفال والمراهقين أية صور أو قصص أو أخبار تخل بالأخلاق والقيم والتقاليد الفلسطينية".

من نافلة القول، إن قيام النيابة العامة بمباشرة إجراءات التحقيق مع متهم لا يعني بالضرورة إدانته، إذ ليس من اختصاصات النيابة العامة إدانة أي متهم، كونه يبقى بريئا حتى تثبت إدانته من قبل المحكمة المختصة بحكم قطعي لا يقبل الطعن بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية، ذلك أن سلطة التحقيق الابتدائي والاتهام في القضايا الجزائية كأصل تكون بيد النيابة العامة دون غيرها، لكنها لا تملك بأي حال من الأحوال سلطة الإدانة، حيث إن إدانة أي متهم تعد من اختصاصات المحكمة التي تنظر القضية كونها تقوم بإجراء التحقيق النهائي، وتملك كذلك تبرئته من التهم الموجهة له من قبل النيابة العامة. وتستطيع النيابة العامة حفظ القضية وعدم تحويل المتهم للمحكمة في حالات معينة، كحالة عدم كفاية الأدلة.                        

ha

التعليقات

المجلس الوطني .. الضرورة الآن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

برلمان الشعب الفلسطيني بعد انتصار القدس، يدعو الآن لتعزيز هذا الانتصار الى  انعقاد دورته الرابعة والعشرين، لأنه وفي حسابات اللحظة التاريخية الراهنة، سيمثل لحظة انعقاده خطوة استراتيجية كبرى في طريق النضال الوطني الصاعدة نحو الحرية والاستقلال، بل ان دورته الجديدة باتت ضرورة وطنية خالصة، لا تقبل التأجيل ولا التسويف، لا لتجديد أطر الشرعية الفلسطينية، وتفعيل مؤسساتها بحيوية التجديد والتمثيل فحسب، وإنما كذلك لإعادة صياغة الوحدة الوطنية، على أسس بالغة الوضوح في ولاءات حساباتها الوطنية، بعيدا عن المصالح الحزبية والفصائلية، ومصالح الحسابات الاقليمية السياسوية ان صح التعبير، التي لا فلسطين فيها حتى لو كانت خطاباتها مليئة بالشعارات الثورية ..!! وكل ذلك من اجل حماية المشروع الوطني, والمضي به قدما نحو تحقيق كامل اهدافه العادله وتطلعاته المشروعة

وبهذا المعنى، ولأجل هذه الغاية النبيلة، فإن انعقاد المجلس الوطني سيشكل فرصة تاريخية لأولئك الذين ما زالوا خارج أطر الشرعية الفلسطينية، وما زالوا يطرقون أبواب العواصم البعيدة ويرتمون في احضانها، العواصم التي ما زالت لا تريد من فلسطين غير ان تكون ورقة مساومة بيديها لصالح حساباتها الاقليمية ..!! فرصة لهؤلاء ان يعودوا الى بيت الشرعية، وان يكونوا جزءا منها، لا ان يكونوا اداة لمحاربتها على هذا النحو او ذاك، واذ يسعى المجلس الوطني في دورته الجديدة
لإعادة صياغة الوحدة الوطنية، فإنه يسعى ان يكون الكل الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتمثيل النزيه والموضوعي، وبالتجديد الحيوي لأطرها القيادية.

لا يمكن لمسيرة الحرية الفلسطينية ان تتوقف، التوقف ليس خيارا وطنيا، ولم يكن يوما كذلك، ومن اجل ان تواصل هذه المسيرة تقدمها، لا بد دائما من التجديد والتطوير، طبقا لخيارات الشعب وارادته ومن اجل تحقيق مصالحه الوطنية العليا، ومن خلال مؤسساته الشرعية التي يمثل المجلس الوطني هيئتها الاولى، وصاحب الولاية في التشريع واقرار برامج النضال الوطني في دروبه العديدة.

لا يمكن لأحد ان يتجاهل الآن، اننا في وضع بالغ الصعوبة، وصراعنا مع الاحتلال يشتد على نحو غير مسبوق، لجهة تغول الاحتلال في سياساته الاستيطانية والعنصرية العنيفة، والتي نواجه بالمقاومة الشعبية السلمية، والتي اثبتت جدواها في معركة القدس والاقصى المجيدة، وهذا يعني وامام هذا الوضع، أن الوحدة الوطنية  بسلامة قيمها ومفاهيمها وأطرها، تظل هي الضمانة الاكيدة للخروج من الوضع الراهن، نحو تعزيز قوة مسيرة التحرر الوطني الفلسطينية، وستظل الوحدة الوطنية بالعافية التي نريد ممكنة، حتى لو واصل البعض معاقرة اوهامه الخرفة، وهذا ما سيقرره المجلس الوطني في دورته المقبلة، وفي توضيح هذه الحقيقة، تأكيد على الفرصة التاريخية التي يوفرها المجلس الوطني، خاصة لحركة حماس، ان تنزل من على شجرة الانقسام البغيضة، التي لا يمكن لها ان تثمر شيئا يوما ما، وان تودع اوهام الامارة مرة والى الابد، لصالح ان تكون هذا الفصيل الوطني، الذي يساهم بحق في تعزيز مسيرة الحرية والتحرر الوطني الفلسطينية.

وبكلمات أخرى وأخيرة المجلس الوطني قادم فلا تفوتوا هذه الفرصة، وبقدر ما هو الضرورة الآن، بقدر ما هو هذه الفرصة الآن التي لا مثيل لها، وللمجلس شعاره الذي هو شعار مسيرة فلسطين الحرة، وقد قاله نصا وروحا بوضوح الكلمة والمعنى شاعر فلسطين الاكبر محمود درويش، فإما "الصعود وإما الصعود" ولا شيء سوى الصعود، ودائما نحو القمة المثلى، قمة الحرية والاستقلال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017