النائب العام الفلسطيني..قامة قضائية كبيرة

بقلم: إيهاب عمرو

لم أجد أجمل من وصف الدكتور حسن الطراونة، أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية، حول الدكتور أحمد براك، النائب العام الفلسطيني، كعنوان لمقالتي. وقد وصفه الدكتور الطراونة بأنه قامة قضائية كبيرة في العالم العربي أثناء اللقاء الذي بثه تلفزيون فلسطين قبل عدة أيام حول قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني الجديد واستضاف من خلاله الدكتور براك، وكل من الدكتور الطراونة وعضو في نقابة الصحفيين الفلسطينيين كمداخلين.

ورغم أنني لست من هواة الكتابة عن أشخاص محددين بعينهم، إلا أنني وجدت نفسي مضطراً هذه المرة، كاستثناء عن القاعدة، للكتابة حول الدكتور براك لإعطاء هذا الرجل حقه وهو الذي كما عرفته عن قرب، أخذ له أكثر حقه وأعطى عنه أكثر واجبه طوال مسيرته المهنية. ولعل الدافع الأساسي وراء الكتابة حول هذا الرجل يكمن في أنه صاحب فكر متميز في نطاق القانون الجنائي يستحق دراسته وتحليله والاستفادة منه، والاستفادة من مؤلفاته على مستوى فلسطين والعالم العربي. وليعذرني كل من لم أكتب عنه من الزملاء الآخرين ممن يستحقون الإشادة بهم وبعلمهم ومهنيتهم.

وأود القول إن معرفتي الأولى بالدكتور براك تعود إلى العام 1998 عندما بدأت ممارسة مهنتي القضائية في الادعاء العام، ولا زلت أذكر ذلك اليوم المشهود الذي انتقلنا فيه من مدينة رام الله إلى مدينة نابلس برفقة رئيس المحكمة آنذاك الأستاذ وليد الحلو أطال الله في عمره، وقد مضى على بدء عملي هذا عدة أسابيع فقط. وشاءت الأقدار أن يتم تعييني في ذات اليوم كمحامي لبعض المتهمين بسبب عدم توكيلهم محامي للدفاع عنهم، وقد أبليت بلاءً حسناً بشهادة الزملاء جميعاً، ومن ضمنهم الدكتور أحمد براك الذي كان يعمل مدعيا عاما لمحافظة نابلس، والذي وصفني مشكوراً بعد ذلك بالقول إنني خامة جيدة ينبغي الاهتمام بها ورعايتها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سعة أفقه وقدرته على التمييز بين الغث والسمين. كما يدل على مهنيته العالية وحرصه على تطوير زملائه ومن يعملون معه في ذات المؤسسسة القضائية.

وبعد تعيينه في منصب النائب العام قبل ما ينوف عن عام، استمر الدكتور براك في عمله بمسؤولية مهنية عالية وبأمانة وإخلاص رغم المنعطفات الكثيرة التي مرت خلال تلك الفترة، منها على سبيل المثال لا الحصر الجدل الذي ثار حول قرار النيابة العامة كحارسة للعدالة الجنائية بخصوص ضبط نسخ رواية "جريمة في رام الله"، وما صاحب ذلك من حملة شعواء ضد القرار المذكور لم يكن لها أي أساس قانوني أو منطقي أو مهني. وكذلك الجدل الذي ثار، ولا يزال، بخصوص بعض القوانين التي تم إصدارها، أو المزمع إصدارها، آخرها قانون الجرائم الإلكترونية. ودلت اللقاءات التي أجراها الدكتور براك مع الجهات ذات العلاقة مثل نقابة الصحفيين وقيامه بشرح القانون سالف الذكر لتلك الجهات بشكل مباشر، إضافة إلى شرح نصوص القانون ومراميه لعامة الناس بواسطة إجراء بعض اللقاءات مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، على فهم عميق لطبيعة الدور الذي يقوم به النائب العام في المجتمع، ولا أبالغ إن قلت إن ذلك يعد دوراً جديداً وغير مألوف للنائب العام في عموم العالم العربي.

ولا بد من التذكير في هذا الصدد أن النائب العام يستمد صلاحياته وسلطاته واختصاصاته من نصوص القانون الأساسي المعدل لعام 2003 والقوانين ذات العلاقة كقانون السلطة القضائية لعام 2002 وقانون الإجراءات الجزائية لعام 2001. وتنص الفقرة الثانية من المادة (107) من القانون الأساسي الفلسطيني على أن النائب العام يتولى الدعوى العمومية بإسم الشعب العربي الفلسطيني. وتنص المادة (49) من قانون السلطة القضائية سالف الذكر على صلاحية النائب العام بإقامة الدعوى التأديبية على القضاة بناء على طلب من وزير العدل أو من رئيس المحكمة العليا أو من رئيس المحكمة التي التي يتبعها القاضي. ويتناول الفصل الخامس من ذات القانون "النيابة العامة" من حيث تشكيلها واختصاصاتها وواجباتها ورواتب أعضائها وعلاواتهم. ويتناول قانون الإجراءات الجزائية المذكور أعلاه في الفصل الأول من الباب الأول منه الدعوى الجزائية وأن النيابة العامة هي الجهة المختصة دون غيرها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها بواسطة النائب العام بنفسه أو بواسطة أحد أعضاء النيابة العامة الذين يتولون مهام الضبط القضائي والإشراف على مأموري الضبط كل في دائرة إختصاصه. وينص ذات القانون في المادة (39) منه على إختصاص النيابة العامة وحدها في إصدار مذكرة دخول المنازل أو تفتيشها كعمل من أعمال التحقيق. وتتناول المواد اللاحقة اختصاصات النيابة العامة الأخرى، أهمها اختصاص النيابة العامة دون غيرها بالتحقيق في الجرائم، واختصاصها بضبط الأشياء وبالتصرف في المضبوطات، واختصاصها بسماع الشهود، واختصاصها بإصدار مذكرات حضور وإحضار بحق المتهمين، واختصاصها كذلك بتوقيف المتهم بعد استجوابه مدة ثمان وأربعين ساعة مع مراعاة تمديد توقيفه بواسطة أمر صادر عن المحكمة المختصة ومراعاة كذلك حقه في توكيل محامي يدافع عنه والاتصال بذويه، وحق النيابة العامة بحفظ الدعوى بعد إنتهاء إجراءات التحقيق لأسباب محددة أو إحالة ملف الدعوى إلى المحكمة المختصة لمحاكمة المتهم.

 

 

kh

التعليقات

لغة المصالحة مرة اخرى

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
يبدو ان الناطق الرسمي باسم حركة حماس، لا يريد للمصالحة الوطنية ان تمضي في دروبها الصحيحة، وهو ما زال يتشبث بلغة الانقسام القبيحة، هذا الى جانب ما يمكن تسميته سلوكيات اعلامية اخرى لقيادات حمساوية لا تريد الاعتراف بأن المصالحة وانهاء الانقسام، تبدأ من الاقرار بسلطة واحدة، وادارة واحدة، وسلاح واحد، وبلغة وسلوك يعكس الالتزام بذلك على نحو بالغ الوضوح.

ما زال هذا الناطق يستخدم ذات الكلمات والتعابير التي سادت فيما مضى (..!!) وما زال لا يرى، او انه لا يريد ان يرى ان المصالحة بحاجة الى لغة تتفتح فيها النوايا الطيبة، لتسوية كافة المعضلات التي اوجدها الانقسام، والاخطر انه ما زال لا يرى ان هذه المعضلات التي تراكمت طوال العشر سنوات الماضية، هي معضلات لم تتحمل حماس مسؤولية معالجتها، ولا بأي شكل من الاشكال، بل تركتها تتراكم بنكران في خطاب قال ذات مرة ان غزة مع حكم حماس تعيش افضل ايامها ...!! هل نذكر بتصريحات الزهار في هذا السياق .؟؟

عشر سنوات من الانقسام غذتها الحروب العدوانية الاسرائيلية الثلاث على القطاع، بمزيد من العذابات والجراح العميقة، جعلت من الحياة هناك، حياة خارج السياق الآدمي الى حد كبير...!! لكن الناطق الرسمي الحمساوي لا يرى من عذابات القطاع المكلوم، سوى اجراءات الرئاسة التي استهدفت في الواقع الضغط العملي لدحر الانقسام البغيض، ولم تكن بالقطع اجراءات "تعسفية ضد اهلنا في غزة" كما يصفها هذا الناطق بلغة الانقسام القبيحة، التي لا ينبغي لها ان تكون بعد الآن، لكي نقول ان المصالحة تتقدم في دروبها الصحيحة. 

وبالقطع ايضا ان هذه الاجراءات، ليست هي السبب في عذابات القطاع المكلوم،        وليست هي التي فاقمت ازمات ومعاناة اهلنا في المحافضات الجنوبية، فليست هي التي ضاعفت الضرائب خارج القانون ودون وجه حق، وليست هي من احكم قبضة الامن التعسفية، والاستيلاء على الاراضي الحكومية وجعلها اعطيات اقطاعية، ولا علاقة لهذه الاجراءات بمعضلة الكهرباء ولا بتلوث البحر أو غيرها من المعضلات والمشاكل، وبالقطع تماما ان هذه الاجراءات ليست هي العنوان الرئيس في المصالحة، ومع ضرورة واهمية تسويتها فإن إلغاءها لن يحل معضلات القطاع دفعة واحدة، ولن يجعل من سنوات الانقسام العشر نسيا منسيا، وكأنها لم تكن بالمرة، وهي على كل حال اجراءات  كانت وما زالت مؤقتة، ستنتهي لحظة تمكن حكومة الوفاق من ممارسة مهامها على اكمل وجه في المحافضات الجنوبية.

عشر سنوات من العتمة، ولا نريد وصفا آخر احتراما للمصالحة، خلفت الكثير من الالم ولا يمكن اختصارها وحصرها في هذا الاطار المفتعل، الذي نرى انه يحاول القفز عن متطلبات المصالحة الوطنية الاساسية، والهروب من مواجهة الواقع وضرورة المراجعات النقدية للسنوات العشر الماضية وتحمل مسؤولياتها على نحو وطني شجاع.

ومرة اخرى سنقول ونؤكد ان للمصالحة لغة ليست هي لغة تلك السنوات العجاف، لغة تسمح بالنقد والمراجعة والاعتراف، ولغة تجعل من دروب المصالحة سالكة تماما بالتروي والحكمة والعبارة الصالحة الخالية من الاتهامات الباطلة والشعارات المنافية للواقع والحقيقة.

وبقدر ما هي المصالحة "ضرورة وطنية لانهاء الاحتلال واقامة الدولة وتحقيق آمال شعبنا" كما اكد ويؤكد الرئيس ابو مازن، فإن لغة المصالحة ضرورة ايضا لكي تستقيم عملية انهاء الانقسام وتؤدي المصالحة، كما يراها ويريدها شعبنا ورئيسنا أبو مازن، دورها في تعزيز مسيرة الحرية والاستقلال.

لغة المصالحة هي لغة الوحدة الوطنية، ولغة الوحدة هي لغة الوطن، لغة فلسطين التي هي دوما لغة الحق والعدل والحرية والجمال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017