لكل زمان قبان

جميل ضبابات

قبل 70 عاما، اشترى الجد عيارا معدنيا من فئة (10 كغم) من حلب شمال غرب سوريا، ليزن به الطحينية في مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية .

اليوم يشير الحفيد راضي عرفات، وهو سليل عائلة تعمل بالتجارة، إلى أن العيار ما زال يتوافق مع التشريعات الفلسطينية الحالية. فقد عبر الفلسطينيون رحلة تشريعات طويلة عمرها أكثر من قرن حتى عملوا وفق نظام مقاييس وطني خاص بهم.

يقول مدير عام مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية حيدر حجة، وهي واحدة من المؤسسات التي أقرت لها قوانينها الخاصة: "لدينا اليوم قانوننا الوطني".

بالإشارة المباشرة إلى سلسلة من القوانين القديمة التي عمل بها في فلسطين، تغيرت مثلا مساحة الدونم عدة مرات، فقد عبر عن مساحة الدونم حسب قانون الأراضي العثماني الصادر عام 1858 بما مساحته (2500م2)، لكن القانون لم يطبق بشكل واضح، فعاد التعبير عن مساحة الدونم بما يعادل (909.3م2)، لكن الدونم استقر اليوم حسب المقياس الوطني الفلسطيني عند (1000م2).

وأيضا تغيرت قيمة الوزن وفق قوانين أصدرتها النظم السياسية التي حكمت فلسطين، فالدونم اليوم لم يكن مثل الدونم قبل 100 عام وفقا للقانون.

عندما أنشئت السلطة الوطنية الفلسطينية كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قد اتخذ قرارا في تونس بتاريخ 28 كانون الثاني من عام 1994 بإنشاء مؤسسة المواصفات والمقاييس، ولاحقا بسنوات قليلة صدر قانون رقم (6) بهذا الخصوص.

من الممكن أن يكون خان نابلس واحدا من اكثر الاسواق الشعبية شهرة في فلسطين التاريخية، ليس فقط مستودعا من حجارة قديمة للتوابل والأعشاب والبذور وتجارة الأقمشة المستوردة.

نظرة إلى الموازين المستخدمة يظهر الخان شاهدا على المتغيرات السياسية الكبرى التي طرأت على المنطقة.

في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي كانت حكومة عموم فلسطين حسب وثائقها الرسمية قد قطعت شوطا كبيرا لإنشاء لجنة المواصفات والمقاييس، في ذلك الوقت كان أحد أفراد عائلة شاهين -وهم تجار حبوب في المنطقة- قد اشترى ميزانا من صنع فرنسي.

اليوم، ينظر جهاد وهو ابن العائلة إلى طرفي الميزان الخشب بفخر كبير وهو يشير إلى وحدتي قياس فيه: الكيلو والرطل.

حسب القانون الفلسطيني لا يحق لجهاد الا استخدام وحدة واحدة، لكن وحدة الرطل لم تعد تلزم إلا لرواية قصص الماضي القريب.

يقول جهاد الذي يستخدم ثلاثة من الموازين أحدها الكتروني والثاني بكفتين: "هذا الميزان القديم على الشعرة"، في إشارة واضحة منه إلى الدقة المتناهية لعمله.

عندما بدأ التجار في المدينة باستخدام وحدة الوزن (كيلو) كان قد تخلوا عن المكاييل القديمة التي كانت سائدة قبل فرض بريطانيا سيطرتها على فلسطين. في السنوات القليلة الماضية تخلى ناجي أدهم وهو واحد من ملاك المطاحن الكلاسيكية في المدينة عن آخر مفردات المكاييل الخاصة بالماضي. لم تعد وحدات القياس التركية تجري على لسانه.

يقول أدهم: "الآن لدينا موازين الكترونية جديدة (...)، لا أتذكر حتى أين اختفى الميزان القديم".

"لكل زمان قبان" أضاف الرجل.

في عام 2003 أصدر مجلس الوزراء الفلسطيني قرارا (اصدار النظام الوطني للمقاييس) ونشره في الجريدة الرسمية، يحدد ويضبط دقة القياس في فلسطين، واختيار الآلات والأدوات المعدة للقياس، التي تمتد من قياس لتر الحليب حتى درجة الحرارة.

وأقر الفلسطينيون القانون الحديث لوحدات القياس وهي النظام المتري الحديث.

"في الماضي كان الرطل مثلا في الجنوب يختلف عن الرطل في الشمال. حاول الأتراك توحيد المقاييس وكانت قيمة الرطل تزداد مع تحسن الوضع الاقتصادي في أي منطقة".

يندر اليوم سماع كلمة رطل أو صاع أو ذراع في السوق القديمة بالمدينة. الا ان احاديث فردية ما زالت تتضمن استخداما محدودا لهذه الكلمات من دون قيمة عملية لها.

لكن استخدام المثل الدارج على طول فلسطين وعرضها "ما بجيب الرطل الا رطل ونص"، يمكن سماعه بشكل متكرر، لكن ذلك يبقى من دون قيمة فعلية أيضا وفقا للمتغيرات السياسية وتبدل التشريعات في هذا البلد.

يقول تجار في البلدة القديمة وهو مقر انطلاق مواد التصدير في الماضي القريب، إن المدينة استخدمت مقاييس مختلفة، لأنها صدرت إنتاجا مختلفا مثل القطن والمنسوجات وبعض تشكيلات الحديد.

في الخمسينيات بدأت عائلة الشيب تعمل في توزيع القبانات والموازين بشكل تجاري واسع في شمال الضفة الغربية، الا ان زاهر الشيب الذي يقضي كل نهاره في محل مليء بالموازين التي يستورد معظمها من الصين لا يتذكر الموازين التي كانت تستخدم فيها أدوات الوزن القديمة.

لكنه يبدو فخورا انه واحد من الذين استطاعوا توزيع ميزان الكفتين وهو واحد من أشهر الموازين التي تستخدمها البقالات الصغيرة في فلسطين.

اليوم ليس هناك عدد محدد للموازين التي تدخل الارض الفلسطينية كما ابلغ حجة مراسل "وفا"، لكنه يشير إلى أن "جهاز قياس لا يستخدم الوحدات الحديثة يتم سحبه من السوق".

عندما كانت القوافل التجارية تعبر المدينة قبل نحو أكثر من قرن، قادمة من شمال سوريا او من مصر، كانت رياح التغيير تهب على المنطقة، فسقوط الدولة العثمانية واستعداد جزء من أوروبا لدخول المنطقة والسيطرة عليها، طالت التغييرات أيضا الموازين. موازين، ومع بقاء اسم الآلة في اللغة على ما هو تغيرت السياسات والتشريعات.

"نحن اليوم نطبق قانوننا الفلسطيني (...)، لنا قوانيننا التي يتم تطويرها لتتواءم مع المتطلبات الدولية"، قال حجة لوكالة "وفا".

ــــ

ha

التعليقات

"الأميركي القبيح"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

في خمسينيات القرن الماضي كتب الروائي الأميركي وليم ليدرر، رواية كان موضوعها الأساسي أو ثيمتها الرئيسة- كما يقال بلغة الأدب- قبح السياسة الأميركية، التي تقبح أكثر الرجال والنساء جمالا ووسامة، وأطلق على  روايته اسم "الأميركي القبيح" ومن الواضح الْيَوْمَ ان هذا الروائي لم يكن يكتب عملاً ادبيًّا، بقدر ما كان يسجل طبيعة وحقيقة الإرسال الواقعي للسياسة الأميركية والسياسيين الأميركيين، الإرسال الذي ما زال على حاله حتى اللحظة، بل وقد بات أكثر قبحا واكثر صلفا، ومن يسمع ما قالته  "أليسا فرح" المتحدثة باسم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس" لن يرى سوى القبح، وقد تجسد بكامل هيئته التي تدفع الى التقيؤ...!!!

هذه المتحدثة تريد منا وبتصريح غاية في الصفاقة والصلف، ان نصدق ما لا يمكن تصديقه بعد الآن، ان الولايات المتحدة تريد حقا صنع السلام في الشرق الأوسط ..!!! لا والأدهى والأكثر قبحا وفقا لتلفيقات هذه المتحدثة، اننا نحن من يدير الظهر الآن لعملية السلام...!! بسبب اننا لن نستقبل نائب الرئيس الأميركي "مايك بنس" وكأن عملية السلام ما زالت بخير وعافية، وهي التي أشبعها الرئيس ترامب قتلا بقراره الأرعن اعتبار القدس الفلسطينية العربية عاصمة للدولة التي تحتلها...!!! لا بل ان هذه العملية لطالما كانت متعثرة بسبب الانحياز الأميركي الدائم لدولة الاحتلال، فعن أي عملية تتحدث الناطقة باسم "بنس"..؟؟ وعن أي دور للولايات المتحدة يمكن ان يكون في هذه العملية والرئيس الأميركي قد أجهز عليه تماما..!!

وعلى ما يبدو ان "الأميركي القبيح" مشبع بالوهم حتى يتصور ان الضحية يمكن ان تصفق لجلادها، التصفيق الذي أراده منا باستقبال صناع سياسة الطعن  والانحياز والخديعة، باستقبال "بنس" ..!! أليست هذه بعضًا من عقلية "الكوكلوكس كلان" بعضا من تمنياتها المريضة، ان تصفق الضحية لجلادها، وان تقبل به سيدا لا ترد له كلمة، ولا يعصى له أمر حتى وهو يغرز حرابه في خاصرتها...!! على "الأميركي القبيح" ان يصحو من أوهامه هذه، لن نصفق أبدا لجلادينا، الفلسطينيون أهل التحدي، ولا يقبلون الضيم أبدا، وهم أسياد حالهم وقرارهم وحماة أرضهم ومقدساتهم الاسلامية والمسيحية، وقد تزنروا الْيَوْمَ بروح جماهير الأمة العربية ومعها احرار العالم أجمع، وقد هبت هبة رجل واحد تندد بقرار ترامب، التنديد الذي لا يحمل غير رسالة القدس النبوية، ولا يقبل بغير مستقبلها عاصمة لدولة فلسطين, وحاضنة للسلام والمحبة بروحها العربية والإنسانية.

لا كلمات يمكن لها ان تصنع  مساحيق التجميل التي يريدها "الأميركي القبيح" ولا ثمة ادعاءات بعد قرار ترامب قادرة ان تؤلف هذه المساحيق، الاعتراف بالخطأ والخطيئة وحده من يستطيع التجميل، بل من يزيل القبح من أجل وجه النزاهة المشرق، وللشعب الأميركي نقول ونؤكد ان الأميركي القبيح ليس انتم، إنما هو رجل السياسة هذا الذي ينحاز للظلم والاحتلال والعنصرية البغيضة، ما من شعوب قبيحة ابدا، بل جماعاتها بقواها وأحزابها اليمينية المتطرفة، التي لا تسعى لغير العنف والارهاب والعدوان، ولطالما سقطت هذه الجماعات وستبقى تسقط حتما.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017