عَود على العود: رحلة في تاريخ الأوتار

شادي مقبول ....... في كتابه "عَود على العود"، يرى المؤلف د. نبيل اللو أن الذوق الفني مسألة ثقافية بحتة، تحتاج مزيداً من الاهتمام انطلاقاً من درس الموسيقى في مرحلة التعليم الأساسي، وصولاً لتأسيس ذائقة موسيقية عربية أصيلة تصل ما انقطع بيننا وبين تراثنا الموسيقي عموماً. يتناول مؤلف الكتاب وهو أحدث إصدار يؤرخ لتطور موسيقى العود، وصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، في أربعة عشر فصلاً، موضوعات مختلفة تتعلق بالعود. ويسهب في استعراض المراحل التاريخية التي عايشتها الموسيقى الشرقية عموماً والعود على نحو خاص، إضافة للتطورات التي شهدتها هذه الآلة حين كان العود في أول عهده رباعي الأوتار، ثم أصبح خماسياً، وكذلك التعديلات التي أُدخلت عليه كثمرةٍ لتجارب عازفين متمرسين. يعرّف المؤلف العود بأنه آلة وترية عُرِفت في الجاهلية باسمها الفارسي "البربط" والتي تعني صدر البط. ويرجع شكله الذي نعرفه اليوم إلى القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، استنبطه أشهر ضارب على العود في عهد الدولة العباسية منصور زلزل بأن قصّر زنده، وأطال المصوّت وجعله بيضاوياً كأنه نصف كمثرى. العود... تلك الآلة الضئيلة الخجولة ما زالت لصيقة بالموسيقى العربية رمزاً وفعلاً، رغم انحسار دورها حتى ضاق بها صدر "الأوركسترا الحديثة"، فأصبحت تفسح لها مكاناً من آنٍ لآخر خجلاً، وإن فعلت فنادراً ما نَسمعُ للعود صوتاً. خلال الفصول المختلفة يتطرق الكتاب لدور عددٍ ممن ارتبطت أسماؤهم عبر التاريخ العربي والشرقي عموماً بالعود، مثل منصور زلزل وإبراهيم الموصلي وابراهيم بن المهدي وزرياب. وفي العصر الحديث أسماء أخرى منهم عبده الحامولي ومحي الدين حيدر وجميل بشير ومنير بشير ومحمد عبد الوهاب وسيد درويش ورياض السنباطي، وغيرهم. وعن تطور الدوزان وخصوصية العود يشرح الكاتب بأنه لا يمكن الخوض في هوية الموسيقى الشرقية دون أن يكون لها مرجع أساس، فإذا كان البيانو هو مرجع الموسيقى الكلاسيكية الغربية منذ نحو قرنين من الزمن، فإن العود ظل الآلة المرجع للموسيقى الشرقية العربية قرابة ثلاثة عشر قرناً ونيّف، وظهر قبل النظرية الموسيقية العربية أو الشرقية عموماً. ويلخّص فكرته بالقول "إذا قلنا إن العربية هوية لسان العرب، فإن العود هوية موسيقاهم". في الفصل الذي يتناول تأصيل فكرة الارتجال بوصفها حالة إبداعية متجددة، يعرّف الكاتب الارتجال الموسيقي بأنه فن التأليف الآني، وظاهرة لصيقة بالموسيقى العربية الآلية والغنائية على حد سواء. وكُثر ممن يمتلكون هذه الموهبة يطلعون علينا من وحي المقام الذي يعزفون عليه، ومن وحي اللحظة والجلسة والحالة النفسية، ليسمعونا جُملاً موسيقية مرتجلة وانتقالات مقامية تدفعنا إلى النشوة والطرب، ولو طلبتَ من عازف متمكن من هؤلاء أن يعيد عليك ما أسمعك إياه من ارتجالات لما تمكّن، ولربما أجاد فأسمعك أجمل مما سمعت وطلبت. ولم يكن العود لينفرد بسهولة لمدة ساعة أو أكثر أمام جمهور ضمن سياق ممارسة الطقس الموسيقي المعروف، فالجمهور الشرقي في إطار ذوقه العام يفضل سماع شيء من كل شيء خلال وصلة غنائية موسيقية كاملة. وبينما يعتلي العازف المنفرد على آلة غربية كلاسيكية، خشبات المسارح ويعزف أمام الجمهور أعمالاً لكبار المؤلفين الكلاسيكيين الغربيين، فإن الحفلات التي تُنظّم لعازف عود منفرد قليلة، وهي منوطة بأسماء معيّنة اشتغلت على نفسها فنياً وإعلامياً. يتناول المؤلف في أكثر من فصل موضوع تأهيل الموسيقي الشرقي حيث لا يمكن في الموسيقى الشرقية فصل الموسيقي عن معلمه الذي تتلمذ عليه، فالعلاقة بينهما وحيدة الجانب، يتلمس المريد خلال مراحلها خطى معلّمه، يقلده بها في كل شيء، ابتداءً من أسلوب عزفه وانتهاءً أحياناً بسلوكه. وحول ثقافة الاستماع التي خصص لها فصلاً، يقول الكاتب "يحب الغرب صمتاً ويحب الشرق تهليلاً، وينسحب هذا على الموسيقى". ففي الوقت الذي يصغي فيه الأوروبي للموسيقى إصغاءً كاملاً، يهلل العربي المنتشي طرباً لكل وقفة تقسيم ونهاية مقطع غناء ما اصطلح على تسميته بالقفلات، والتي تستدعي "آه، يا سلام، عظَمة على عظَمة،..." وغيرها من عبارات الاستحسان كلما أبدع موسيقي أو مغني. وما يحرك الجمهور الشرقي عموماً هو الطرب الغريزي الملتصق بالقفلات الحرّاقة، وليس بالطرب العقلي لقفلات يستحسنها العارفون في سرّهم. واعتبر الكاتب أن أي مجتمع لا يخلو من "سمّيعة" يحسنون الاستماع إلى الموسيقى ويتذوقونها، غير أن وجودهم في المجتمع لا يرفع الذائقة العامة. وحدهم التُرك استطاعوا أن يردوا الاعتبار لموسيقاهم التي يسمونها "عُصمنلي" بعدما أجبروا في عهد أتاتورك على التخلي عنها كلياً والالتفات إلى الموسيقى الكلاسيكية العالمية التي اعتبرها عنوان التحضر والرقي.
ha

التعليقات

"سيرة وانفتحت"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لطالما فتحت "سيرة" غاز شرق المتوسط، وعلى هذا النحو الساخن الذي يوحي بترتيبات اقليمية جديدة، ترتيبات قطرية تماما، في حدود ما هو قائم من دول في هذا الاقليم (..!!) لطالما فتحت هذه "السيرة" على هذا النحو، ستفرض القراءة الموضوعية علينا ان نرى ان الانقلاب الحمساوي عام 2007 لم يكن انقلابا عقائديا على ما يبدو، ولا علاقة له بالسعي لتعزيز خنادق المقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان هناك حقل الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة والذي اكتشف نهاية التسعينيات من القرن الماضي وتم بناء حقله عام 2000 من قبل شركة الغاز البريطانية "بريتش غاز" نتذكر هنا ان الزعيم الخالد ياسر عرفات افتتح منصته.

هذا الحقل، هو أحد مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، التي لا تريدها اسرائيل اليمين العنصري المتطرف، ونعتقد انه منذ اكتشاف هذا الحقل بدأت اسرائيل بتمزيق اتفاقات اوسلو، ومع انسحابها احادي الجانب من قطاع غزة، كانت تمهد الطريق موضوعيا، للانقلاب الحمساوي، حتى يصبح بالامكان مع الانقسام وشعاراته الغوغائية، الاستحواذ على حقل الغاز الفلسطيني، الذي عرقلت اسرائيل بدء العمل فيه، واستثماره وفقا لاتفاق الشركة البريطانية مع السلطة الوطنية، حتى اغلقت هذه الشركة مكاتبها في تل أبيب ورام الله ..!

حتى في تفاصيل مشروع ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقته، أو "دولة" الامارة في غزة، لا ذكر لحقل الغاز الفلسطيني، وعلى الذين يغازلون هذا المشروع، ويتبادلون معه الخطابات المباشرة وغير المباشرة (تصريحات حمساوية عدة تشير الى ذلك) عليهم ان يدركوا انهم في المحصلة "سيخرجون من المولد بلا حمص" فلا حصة لأحد مع الاستعمار الاستيطاني ومشاريعه الاستحواذية..!! وسنرى بقوة الوقائع الموضوعية ان الذي اطال أمد الانقسام البغيض، وما زال يطيله حتى اللحظة، ليس غير استمرار محاولة تدمير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطين المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، المحاولة التي تقودها اسرائيل، والتي تريدها اليوم بترتيبات اقليمية، تكون هي فيها الدولة المركزية..!!

وعلى نحو واقعي، سنرى ان ما يسمى بصفقة القرن، ليست غير إقرار هذه الترتيبات الاقليمية التي تريدها اسرائيل، الصفقة التي لا نزاهة ولا عدل ولا سلام فيها، وهي التي تتوغل اليوم في عدوانها على القضية الفلسطينية، وهي تعلن انها ستنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية..!  

انها شهوة السيطرة المطلقة على مقدرات وثروات هذه المنطقة، وبقدر عنصريتها البغيضة، لا تريد لأي طاقة أمل ان تفتح أمام الشعب الفلسطيني، لعلها بذلك تكسر ارادته الحرة، واصراره على مواصلة طريق الحرية حتى الاستقلال.

بالطبع لن تكون "صفقة القرن" قدرا لا يمكن رده، ولنا اليوم مع المقاومة الشعبية خطة سلام بالغة العدل والحق والنزاهة والمصداقية، بخارطة طريق واضحة وصحيحة لا تستند لغير قرارات الشرعية الدولية، لنا هذه الخطة التي صفق لها المجتمع الدولي في مجلس الأمن، وباتت تلقى دعما على مختلف المستويات الدولية الاقليمية، بما يعني ثمة فرصة حقيقية لتفعيلها لتحقيق أهدافها النبيلة.

وحدهم الذين ما زالوا يتوهمون كعكة في مشاريع "الحدود المؤقتة" من لا يرى في خطة السلام الفلسطينية تقدما في طريق الحرية ذاتها، والأسوأ انهم لا يرون فيها فرصة لتعزيز خطواتهاعلى هذه الطريق، بانجاز المصالحة الوطنية كما يجب بقبر الانقسام البغيض، حتى نعيد لحقل الغاز الفلسطيني شعلته السيادية ونمضي قدما في بناء المزيد من مقومات دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية من رفح حتى جنين، ما زالت الفرصة قائمة، وما زال بالامكان المصالحة، فهل تخطو حماس خطوة تاريخية باتجاه الوطن ومصالحه العليا..؟

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018