أبو مرتضى يعود... لكن لا أحد يصدق!

جميل ضبابات

تحت أشعة الشمس العمودية يجلس عدد من أقارب صالح أبو مرتضى غير مصدقين أعينهم بعد يومين من عودة مقاتل سابق في الجناح العسكري لحركة فتح (العاصفة).

حتى أبو مرتضى نفسه الذي يتوسط زوجته وابنته ويتحلق حوله عدد من أفراد العائلة غير مصدق انه قطع نهر الأردن ويجلس الآن في هذا الفضاء الرحب بقرية بيت دجن شرق نابلس.

في ظهيرة التاسع من نيسان عام 1970 رصدت القوات الإسرائيلية المحتلة أبو مرتضى في منحدرات قرية دوما جنوب شرق نابلس، وأصابته قبل أن يسجن ويحكم بالمؤبد ثلاث مرات.

ويروي الرجل قصته تلك بسرد محكم لكن ليس متسلسلا.

بعد 15 عاما من اعتقاله أبرمت "صفقة جبريل" التي أطلق بموجبها نحو ألف فلسطيني من السجون الإسرائيلية وأطلق سراح الرجل وأُبعد إلى الأردن.

كان آخر شخص يراه في ظهيرة السابع عشر من أيلول عام 1985 شقيقه إبراهيم أمام مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي لنابلس قبل أن يُرحَّل بقوة السلاح إلى خارج الأرض الفلسطينية.

في الأول من كانون ثاني الجاري، كان ذاته شقيقه إبراهيم أول من يستقبله في ساحة استراحة أريحا. "مرت سنين طويلة حتى تحقق حلم العودة" قال الشقيق الذي بدت عليه علامات الرضا الواضحة.

وأبو مرتضى الذي قضى 32 عاما في الإبعاد واحد من مبعدين فلسطينيين كثيرين شاركوا في عمليات عسكرية وقعت بعد أن قادت حركة فتح وحركات فلسطينية أخرى عمليات ضد القوات المحتلة.

لكن الرجل يقول، إن الحلم الذي استمر عقود طويلة "يتحقق هذه الساعة". يردد المعنى ذاته عدد من أهالي قريته الذين قدموا لمشاهدة الرجل الذي سمعوا عنه ولم يشاهدوه طيلة حياتهم.

في ذلك الوقت كانت والدة أبو مرتضى على قيد الحياة، لكن من تفاصيل الحياة الكثيرة التي تغيرت في قريته الأم هذا اليوم غياب الأم.

يبدو الرجل سارحا في الفضاء المتاح أمامه إلى ابعد حد.

وبين الحين والآخر يلوذ إلى صمت كأنه غير مصدق وينصرف إلى ترتيب كوفية فلسطينية لفها حول رقبته.

يقول أفراد العائلة إنهم يعيشون "فرحة لا يستطيعون وصفها".

عندما أبعدت سلطات الاحتلال الرجل عن قريته كانت هذه المنطقة التي يجلس فيها وسط ساحة المنزل الذي تستقبل فيه العائلة المهنئين بعودته سهلية.

" كل شيء تغير. النشاط زاد والعائلات ازدادت" يقول الرجل.

يقول آخرون من عائلة أبو مرتضى انه استطاع تذكر الحدود بين قطع الأراضي في قريته رغم زحام المباني الجديدة.

ويثني شبان ينتشرون في ساحة منزله على قدرة الذاكرة التي غابت عقود طويلة على تذكر تفاصيل بعضها محي تماما من المشهد.

ويقول رمزي وهو ابن شقيق أبو مرتضى وزوج ابنته رضا "استطاع تذكر الكثير من التفاصيل في القرية التي توسعت كثيرا (...)  وتذكر لمن تعود تلك الأراضي".

وأشار بيده لسهل تتخلله مبان متفرقة يمتد إلى الشمال من الساحة التي تجلس فيها العائلة.

تقود زهرية وهي زوجة أبو مرتضى التي رافقته في رحلة العودة قصة الحلم والنصف ساعة.

ليس قبل وقت بعيد عندما كان يستمع أبو مرتضى في منزله في عمان إلى أغنية العودة. يقول الرجل "كنت احلم قبل أسابيع قليلة فقط" لكن زهرية التي استمعت إلى أحلام الزوج لعقود طويلة شهدت تحقق الحلم عندما وصلت أنباء حصول المبعد على تصريح زيارة في تلك الساعة.

قالت "تحقق الحلم أخيرا" لكن نصف ساعة على الجانب الإسرائيلي من الحدود كانت أثقل من تلك العقود الطويلة عندما تأجل الإفراج عن التصريح وجواز السفر لنصف ساعة.

يقول أبو مرتضى إن عينه لم تفارق الباب الذي أوصد خلف رجل الأمن الذي يفحص الأوراق "كنت انتظر أن يفتح الباب حتى احصل على الجواب (...)ّ نصف ساعة مثل الدهر".

"لكن الباب فتح. قالوا لي: خذ هذا جواز السفر والتصريح".

خلال السنوات التي أعقبت اتفاقية أوسلو عاد عدد غير محدود لكنه يشكل نسبه قليلة جدا من الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات واضطروا إلى مغادرة الأراضي الفلسطينية قسرا بعد أن اجتاحت القوات المحتلة الأرض الفلسطينية عام 1967، وقبلها عام النكسة.

لكن رضا وهي ابنة أبو مرتضى وتعيش منذ سنوات في القرية بعد أن تزوجت رمزي ابن عمها تقول "أن أملها في عودة والدها الذي لم يستطع حضور حفل زواجها لم ينقطع".

ظهرت السيدة التي أنجبت خلال السنوات القليلة الماضية طفلا وطفلة أكثر المصدقين لعودة المقاتل المبعد.

وهي ذاتها أخذت على عاتقها تحضير طعام المنسف استعدادا للقاء الوالد. قالت "طلب مني ذلك قبل أن يبدأ رحلة العودة (..) طلب منسف".

والمنسف، هو واحد من الأطباق الشعبية التي تعد في الأردن وفلسطين وتعد على نطاق واسع. وغالبا ما تقوم العائلات بإعداد الولائم الكبيرة من المناسف التي تعتمد على الأرز وخبز الشراك واللحوم في المناسبات الكبرى مثل الأعراس.

ويصف بعض أفراد العائلة حقيقة عودة الابن المبعد بـ "العرس". وترفرف رايات لحركة فتح والعلم الوطني فوق أسطح المنازل القريبة.

وهو ذاته وصف استقبال عائلته له "كان عرس". تردد زهرية التي تطفح على وجهها ابتسامة واسعة الوصف ذاته.

وعلقت صور الرجل على مدخل القرية. ويشاهد أيضا "لافتات" مثل تلك التي توضع عند الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية معلقة في أكثر من مكان.

القرية ذاتها عاشت نشاطا غير اعتيادي على مواقع التواصل الاجتماعي. فعودة الابن غير المصدقة عودته كانت واقعية جدا في الفضاء الافتراضي.

" قضيت سنين طويلة وأنا انتظر هذا اليوم" قال شقيقه ابراهيم وهو يقود بعض ضيوفه إلى البوابة الخارجية للمنزل.

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017