غرامة وسجن ورصاص حي على كُتّاب شعارات الانتفاضة

 يامن نوباني

بيوت مهجورة، تحولت جدرانها الخارجية معارض فنية للوحات، وشعارات الانتفاضة، أسوار مدارس ومساجد باتت قبلة الملثمين الباحثين عن منصة، يخاطبون فيها الجمهور، والثورة، والعدو. الأمر الذي لم يرق لاحتلال سعى ويسعى لمحو الأشكال النضالية كافة، والتصدي لها بقوة، مهما كانت تلك الأشكال بسيطة وعفوية.

قبل ثلاثين عاما، لم يكن من السهل أن يخرج شخص ليخط على جدار شعارا لفصيل، أو جملة ثورية، كان الأمر أشبه بعملية فدائية، قد يستشهد صاحبها، أو يُعتقل، وفي أهونها يتعرض، أو يعرض أصحاب الجدار للضرب، والاهانة، والغرامة المالية.

كانت علبة الرش "السبريه" أشبه بكلاشنكوف، والكلمات رصاصات.

وفقا لدراسة قام بها ابراهيم محمد وطارق محمد تحت عنوان: (شعارات الانتفاضة.. دراسة وتوثيق)، "أما بالنسبة للكتابة الجدارية، فرغم موسميتها في سنوات قبل الانتفاضة، إلا أن امتداداتها في التاريخ الفلسطيني يعود إلى سنوات الثورة الفلسطينية في سنوات 1931، وما بعدها، حيث أكد الفلسطيني التفاته نحو الجدار، ولعل أهم ما وصلنا ويمكن توصيفه ككتابة جدارية ثورية، ما كتبه مجاهد فلسطيني سنة 1936 قبل لحظة اعدامه، وبالفحم الأسود على جدران زنزانته في سجن عكا، اشارة وحيدة الى اسمه وردت في بعض المصادر الفلسطينية، حيث أكدت أن اسمه عوض النابلسي، الذي أعدمته السلطات البريطانية.

وحسب الدراسة "تجربة الأجيال الفلسطينية هي تجربة تراكمية، بمعنى أن الفلسطيني استخدم كل أساليب المقاومة في كل مراحل ثورته، وفوراته، وهباته ضد المحتل، فليس غريبا أن يلتفت الى الجدار تماما كما التفت الشهيد عوض، لكن الكتابة الجدارية لم تأخذ طابعها المثير، ونقصد به الطابع الجماعي/ العام، إلا في ظل الانتفاضة، فقبل الانتفاضة وباستثناء بعض النماذج التاريخية فإن الكتابة كانت موسمية ترتبط بالأحداث والمناسبات كوعد بلفور، وذكرى التقسيم والمجازر ونكبتي 1948 و1967 واضرابات السجون، وكانت الكتابة تتم في الليل، ويحرص كتابها الذين عادة ما ينتمون الى فصائل المقاومة على كتابتها في المواقع الهامة والمثيرة للانتباه".

 

تعليمات بشأن محو إشارات وإزالة أعلام

وفقا للصلاحية المخولة لي حسب المادة (191) بشأن تعليمات للأمن (يهودا والسامرة) (رقم 378) 5730-1970، وباقي صلاحياتي حسب أي تشريع وتشريع الأمن، وبما أنني أعتقد أن الأمر مطلوب للحفاظ على الأمن في المنطقة، على النظام العام ولإقرار الحكم المنتظم، إنني آمر بما يلي:

واجب محو اشارات وإزالة أعمال: يجب على كل من متصرف بعقار محو أو تغطية بشكل آخر أي اشارة معروضة في العقار الذي بتصرفه، وإزالة أي علم أو رمز من العقار الذي بإمكانه المس من أمن المنطقة، بسلامة المنطقة أو النظام العام.

تعريف متصرف: المتصرف فعلياً بعقار بما في ذلك كل من يوجد له السلطة على المكان

 كل من يخل بهذه التعليمات يخالف بذلك تشريع الأمن ويسجن لمدة 5 سنوات أو غرامة بمقدار 1500 شيقل، أو الاثنين معا.

 يبدأ سريان هذه التعليمات اعتبارا من يوم التوقيع عليها

الاسم: يطلق على هذا التعليمات اسم: "تعليمات بشأن محو اشارات وإزالة أعلام (يهودا والسامرة)5748-1988 / 4 تموز 5748

19 حزيران 1988

(جابي أوفير قائد منطقة يهودا والسامرة )

موقف الاحتلال من ظاهرة الشعارات

إن الشعارات جاءت كردة فعل عن الحصار الاعلامي المفروض من قبل السلطات الاسرائيلية على وسائل الاعلام والتعبير الفلسطينية، وقد اتخذت السلطات تلك وسائل عديدة، وهي في سبيلها لقمع الانتفاضة، ذلك الحدث الذي أرّق الشارع العام في اسرائيل حكومة وأفرادا وجيشا، طورت كل الأساليب لإخماد الصوت الفلسطيني.

 وقد تحدثت الصحف والتقارير والأبحاث عن وسائل عديدة استخدمها الجيش في ممارسته اللاإنسانية ضد ارادة الشعب الفلسطيني وحريته، فإذا نسي الناس وحشية الصهاينة فإن الشارع الفلسطيني لا يزال يحافظ في ذاكرته العصية على النسيان أوامر وزير الدفاع في تكسير أطراف الفلسطينيين وإطلاق الرصاص عليهم، ومن الطبيعي أن تدخل ظاهرة الشعارات ضمن قائمة اولويات الجيش الصهيوني، في مواجهة هذه الظاهرة.

فبعد تزايد ظاهرة الشعارات والكتابة الجدارية التي عرفت على أنها ممنوعة في قائمة الممنوعات الاسرائيلية وما أكثرها، وزع الجيش الاسرائيلي بيانا في شهر تموز 1988، وعنون ذلك البيان "بيان وتنبيه"، (18) وفدا وقعه القائد العسكري لمنطقة الضفة، طالب فيه المواطنين بإزالة الشعارات المكتوبة على الجدران، وإنزال الأعلام الفلسطينية في أحيائهم، وأن عدم القيام بإزالة الشعارات والأعلام يعتبر مخالفة للتعليمات العسكرية، وقد يؤدي الى فرض عقوبات السجن وغرامة مقدارها 15000 شيقل اسرائيلي.

بعد هذا البيان بدأت حرب حقيقية في اطار الانتفاضة، أطلقت عليها الصحف، حرب الشعارات وأحياناً حرب (الفرش والطلاء)، واتسمت تلك المعركة بالإصرار من قبل أبناء الشعب الفلسطيني والوحشية المفرطة من جهة جيش الاحتلال الذي عبأته السلطات من أجل القضاء على هذه الظاهرة.

ويمكن تتبع الاجراءات الإسرائيلية للقضاء على الكتابة على الجدران بالتالي:

يجيز القانون لأية دورية في "المناطق" -يعني بها الضفة والقطاع- إيقاظ النائمين وإصدار أوامر للسكان بإزالة الشعارات المكتوبة على جدران منازلهم وفي أي وقت شاءوا، وقد أصبح الأمر اعتياديا بالنسبة للسكان أن يطرق الجنود ابواب بيوتهم واصدار الاوامر لهم بالقيام بإزالة الشعارات عن جدران منازلهم، وفي دراسة ميدانية عن الأسرة الفلسطينية والانتفاضة، تشير الى ان الاسرة الفلسطينية قد تعرضت لمضايقات وممارسات جيش الاحتلال التي شملت المداهمات الليلة والتفتيش، وبث الذعر في قلوب السكان واستخدام الضرب والاهانة للآمنين في بيوتهم، وجاءت ظاهرة الشعارات واجبار السكان على ازالتها في المرتبة الثالثة من مجموع الممارسات الاخرى أي ما نسبته 13.2% من العينة محل الدراسة.

* الغرامة المالية: فرضت سلطات الاحتلال ضرائب على كل من يثبت أنه كتب شعارا على الجدران وقد تراوحت ما بين (300-1500) شيقل، وقد شملت العقوبة كل من يرفض الانصياع لأوامر الجيش بإزالة ومسح الشعارات عن البيوت والتغريم الفوري لكل من لا يقوم بمسح الشعارات عن جدرانه.

* السجن: عاقب القرار الصهيوني كل من ثبتت ادانته بالسجن خمسة اعوام او غرامة 1500 شيقل حسب القرار الصادر تحت بند (378)– 1970 بتاريخ 19-6-1988، بتوقيع غابي عوفير قائد منطقة الضفة الغربية، وتشمل العقوبة ايضا كل من يرفض الانصياع لأوامر الجيش في مسح الشعارات.

* اطلاق الرصاص الحي: حيث يطلق الرصاص على أي ملثم أو شخص يشاهد من قبل الجيش وهو يكتب شعارات على الجدران وذلك كما حدث مع الشهداء: عبد اللطيف السقا، وأحمد عايش النجار من خان يونس، ومحمد القواسمي من الخليل، وجميل عيد الجواريش من بيت جالا، حيث أطلق عليهم الجيش النار أثناء قيامهم بكتاب الشعارات على الجدران.

* تشويه الجدران: وذلك برش وطلاء الجدران بماء لزجة وسوداء كما حدث في مدينة غزة حينما قام الجيش باستخدام مزيج من القطران والنفط ذي الرائحة الكريهة، وتكررت الحادثة في شارع عمر المختار بالمدينة.

وقد لجأ الفلسطيني في سبيل إدامة الظاهرة الى حيل تحفظ الشعار، حتى بعد الامتثال لأوامر الجيش بمسحها، كطلاء الجدران بمادة "الشيد" ورش الماء عليها بعد ذهاب الجيش فيظهر المكتوب مجددا.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018