تأملات موضوعية

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

لا يملك الرئيس ابو مازن، ما يملكه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا ترسانات نووية، ولا حتى  عسكرية بأبسط أسلحتها، ولا اية ترسانات اقتصادية، ولا اية أرصدة مليارية، ومع ذلك لم تكن المعادلة السياسية والدبلوماسية في مجلس الامن الدولي، ولا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتعلق بالقدس الفلسطينية العربية لصالح الرئيس الأميركي، ان لم نقل انه قد هزم تماما امام الرئيس الزعيم ابو مازن في هذه المحافل الدولية، برغم ان ترامب كان قد هدد العالم بأسره تقريبا، مباشرة ومن خلال ممثلته في الامم المتحدة، ذات الاسم  المعيب، اذا ما خالف قراره الجائر بشأن القدس التي اعتبرها دونما اي وجه حق عاصمة لدولة الاحتلال الاسرائيلي ...!!

من الواضح أن القوة الاخلاقية في المحصلة التاريخية، هي الأهم في موازين القوى بطروحاتها الانسانية، ومصداقية هذه الطروحات التي هي هنا طروحات فلسطين التحررية، التي يحملها الرئيس الزعيم ابو مازن متحصنا بقوتها الأخلاقية النابعة من عدالة قضيته الوطنية، وكرامة شعبه التي لن تكون ابدا سلعة في سوق النخاسة السياسية.

لا تقبل الموضوعية ونزاهة التحليل السياسي، الاستهانة بالهزيمة الأخلاقية، التي طالما كانت هي المسامير التي تدق في نعش الإمبراطوريات الفاسدة، ولقد أثبت التاريخ ذلك على الدوام، فامبراطورية روما لم تسقط بعد حرائق نيرون، وإنما بعد ان فسدت اخلاقها وتقبحت إلى أبعد مدى، ولم يسقط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا إلا بعد أن اكتملت هزيمته الاخلاقية، وحيث لم يعد المجتمع الدولي يقبل بتخريفات وغطرسات العنصرية القبيحة ، ولم ينتصر غاندي على بريطانيا العظمى إلا بقوته الأخلاقية.

ولنا ما قاله الشاعر :

إنما الامم الاخلاق ما بقيت / فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ليس  الأمر أمر القصيدة وحدها ابدا، بل هو أمر الحقيقة والتاريخ أساسا ولهذا ما ثمة مبالغة في كل هذا السياق، ولهذا أيضا لسنا هنا نتوهم هزيمة ساحقة اليوم للولايات المتحدة، ستنهي حضورها الامبراطوري في العالم لكنا نراها الهزيمة الأخلاقية التي تؤسس لنهاية هذا الحضور، وقد باتت ماثلة للعيان، والناس جميعا يتحدثون عنها على هذا النحو أو ذاك،  حتى أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاؤها..!! وفي المقابل بات الكل بما في ذلك الأعداء والخصوم يتحدث، وبتعابير مختلفة حتى الملتبس منها، عن انتصار فلسطين الاخلاقي السياسي والدبلوماسي.

والواقع أن الولايات المتحدة لم تكن تتوقع هذه الصلابة في الموقف الوطني الفلسطيني، الذي اشهره الرئيس الزعيم ابو مازن بقوته الاخلاقية في وجه القرار الجائر للرئيس ترامب، ومن الواضح أن الولايات المتحدة ما زالت لا تدرك حقيقة وطبيعة أن الشعب الفلسطيني هو من أكثر شعوب العالم عنادا عادلا كلما تعلق الأمر بحقوقه المشروعة، وكرامة وطنه التي هي أساس كرامته الانسانية وحتى الشخصية، وأنه لا تفريط بهذه الكرامة، بزعامة قيادته الشرعية، الوطنية والنضالية والدستورية، ولا شك بأن هذا الجهل بحقيقة وطبيعة شعبنا الفلسطيني، هو جهل الغطرسة العنصرية التي باتت تقود سياسة الإدارة الأمريكية طبقا للعمل الصهيوني، هذا العمل الذي بات ينسف تباعا اسس المنظومة الأخلاقية للولايات المتحدة، المنظومة التي طالما قالت على مدار قرن من الزمان انها للدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان حتى روجت وصفا للولايات المتحدة  بأنها زعيمة العالم الحر، لكنها اليوم لا تدافع سوى عن الاحتلال وسياساته الاستيطانية والقمعية البغيضة...!!

لا تستقيم ابدا عملية تجزئة المنظومات الأخلاقية أو التعامل معها بالمعايير المزدوجة، لكن على ما يبدو ان غطرسة العنصرية تتوهم أن  ذلك ممكن، وفي هذا الوهم تكمن أسباب الهزيمة الأخلاقية، وهذا ما حصل تماما مع الرئيس الأمريكي وإدارته.

يبقى انه لا بد من تعميق هذه الهزيمة وتكريس حقيقتها، لتحقيق الهزيمة السياسية والدبلوماسية الشاملة  لقرارات الإدارة الأميركية وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية، وهذا ما يستدعي مزيدا من الصلابة للموقف الوطني الفلسطيني، بالوحدة الوطنية لا سواها، وحدة العمل والخطاب معا وعلى المستويات كافة، وبالطبع دونما انقسام بغيض، وبالسلطة الواحدة، والقانون والواحد، وسلاح الشرعية الواحد.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018