عريقات الإنسان.. جهاز أكسجين وكرسي متحرك ونضال مهني

القدس عاصمة فلسطين/ رام الله 8-1-2018 - ضحى رضوان

"أنا بشر ولا داعي للقوى الخارقة"، كلمات نطق بها والدمعة غير المترددة مختبئة خلف نظارته الطبية، متسائلاً: "إذا ما شعرت باليأس والقلق، هل سيتحسن وضعي الصحي؟ فكانت الإجابة لا، وكّلت أمري إلى الخالق وقررت أن أجير كل ما منحني الله من قوة ذاتية داخلية للصبر، واتخذت قراراً بممارسة حياتي بالشكل الطبيعي.

كرسي متحرك وجهاز أكسجين وعمل لم ينقطع

اعتدنا على متابعة مسيرتهم المهنية وخطواتهم السياسية، وقد يحصر البعض الحكم على إنسانيتهم من خلال عواطفه المكونة حولهم، دون الفصل بين الرجل السياسي والرجل الإنسان.

 صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأب لخمسة أبناء، يروي رحلة علاجه من مرض "التليف الرئوي" لبرنامج "زراعة الأعضاء" عبر شاشة تلفزيون فلسطين، بتفاصيل ترسم قصة ألم، وانتظار وصمود وتحد للمرض.

خطوات مثقلة وانتزاع للراحة من قلب الألم، ومراقبة دائمة لجهاز قياس نسبة الأكسجين، أبرز معالم رحلة التحدي، لازمه أنبوب الأكسجين والكرسي المتحرك ولم يلتزم بشعارات المرض المرتبطة باليأس والاستسلام، ليصف قسوة ما أصابه تارة، ويمدنا بعزيمة نادرة تارة أخرى، فقال: كان يجب عليّ أن أتوقف لاستمد القليل من الراحة بعد كل خمس خطوات، ووصلت إلى مرحلة لم أستطع مواصلة الحركة، إلا على كرسي متحرك.

في الثالث والعشرين من نيسان عام 2013، أصيب عريقات بمرض "التليف الرئوي"، وتناول أدوية تجريبية كانت ألمانيا تخضعها للاختبار، ورغم ذلك لم يتوقف عن العمل يوماً واحداً، فأصدر آخر بيان صحفي خلال مرضه، يوم إجراء العملية، رحب خلاله بالمصالحة الوطنية.

في السابع عشر من آذار عام 2017، بدأت معالم المرض تبدو أكثر وضوحاً، والبقية ترسمها كلماته المثقلة بالدموع المختلطة ما بين حزن وفرح.

وقال: قمت بممارسة رياضة الجري على الآلة الكهربائية في المنزل، ما بين الساعة السادسة وحتى الساعة السابعة والربع مساءً، وفي اليوم التالي لم أقوَ على إكمال أي نشاط طبيعي كنت أقوم به، أصابني انهيار تام لقدرتي على التنفس ذاتياً.

 ما مررت به أوصلني إلى مناطق وأركان لم أكن أعلم بوجودها، فأصبح الصبر يحمل معاني أخرى في داخلي، ولم أكن أعلم بوجودها في الحياة، هذه التجربة نقلتني من تكرار الشعارات والأمثال الخاصة بالحديث مع الذات حول الصبر، إلى ممارسته فعلياً، وشتّان ما بين الاثنين، أضاف عريقات.

وتابع: لم أكن في يوم من الأيام منذ طفولتي إلا جندياً لفلسطين، وأشعر بالفخر أن الله تعالى كرّمني بأن أكون مولوداً لأب وأم فلسطينيين.

عن أقسى لحظات المرض وأكثرها صعوبة وقت تلقي الخبر، قال عريقات: جلس الطبيب وأخبرني بحاجتي إلى زراعة رئة، ولم يكتفِ بذلك، بل رافق حديثه تفسير يؤكد أنها من أصعب العمليات التي يتم إجراؤها، وهذه العملية الجراحية لها ما قبلها وما بعدها، يسبقها احتياجات وضرورات ويتبعها ملازمة الأدوية للمريض مدى الحياة، مع احتمالات مجهولة المصير، أبرزها الرفض الشديد أو النزيف الحاد أو الالتهابات الحادة وجميعها قد تؤدي إلى الوفاة.

ثلاثون ثانية من الانتظار للانتقال من درجة إلى أخرى في سلّم الصعود والنزول داخل المنزل، الذي امتلأ بأسرة دافئة شكّلت أبرز مصادر الدعم لعريقات خلال فترة مرضه.

 أثناء رحلته العلاجية أثقلته هموم لا تتعلق بإمكانية شفائه، وإنما بكيفية انتشال أسرته من حالة الحزن والخوف على مصيره، كأن أبرزها فقدان زوجته "أم علي" القدرة على النظر، مخفية مشاعرها وحزنها.

كطفل صغير نقي، نطقها بعفوية وإنسانية خالصة أمام الكاميرات "أنا بحبهم كتير"، وتوجه إلى الله يرجوه عدم فقدان أحدهم، مردداً دعاءً خالصا مفعماً بالإنسانية والعاطفة، التي قد يراها البعض بعيدة عن الشخصية السياسية الصارمة المتزنة، وقال: "أدعو الله خالقي، بأن يقوم أبنائي بدفني وليس العكس".

وعن دور الأب الرئيس محمود عباس، قال عريقات: إنه رجل عظيم، فإنسانيته التي غمرني بها لم أكن أتوقع وجودها لدى أي إنسان على وجه الأرض، فقد كان الرئيس يدعو الله عز وجل لشفائي بصوت عال عبر الهاتف، ويقضي الليل يصلي ويدعو لشفائي، ولم يبخل يوماً بسؤاله ودعمه، فكان نعم الأخ والقائد والصديق والأب.

انتظار المتبرع كان محور كل الحياة

"انتظار المتبرع كان محور كل الحياة"، عبارة لخصت كل تفاصيل ما مر به عريقات من لحظات انتظار المتبرع القادم غير الآتي، في عالم يجهل فيه إمكانية ووقت توفر من قد يساهم في إنقاذ حياته.

وبعد أن كانت الأخبار السيئة قد تكون جيدة، كما أخبره الطبيب، فنسبة التحجر وسوء حالته الصحية جعلته المريض الأول على لائحة انتظار المتبرعين، تبع هذا الخبر إجابات كانت تقتله من قبل الأطباء حول توفر المتبرع "بأنه قد يأتي خلال ساعة أو يوم أو شهور، ومن الممكن ألا يأتي".

أخبرتها أنه يوم السعد عند لقاء وجه ربي، لكنني عدت لأحيا وأغني

في الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2017 يوم إجراء العملية في فرجينيا، وأثناء تحضيره لها، قال عريقات: "شاهدت زوجتي مصابة بانهيار، فطلبت أن أتحدث إليها، وقلت لها: "نحن متزوجون منذ ستة وثلاثين عاماً، وما أنا مقبل عليه ليس سهلاً، فبعد هذه الأعوام سيكون "يوم السعد" عند لقاء وجه المولى عز وجل، فلا تحزني".

وأكد أن أشد ما كان يؤلمه، الخوف من مفارقة الحياة خارج الوطن، فكانت أمنيته أن يدفن في الأرض التي تعلق بها وناضل من أجلها.

بعد انتظار أشبه بساعات الموت البطيء من أسرته وكل من أحبه، خرج عريقات من بين الأجهزة الطبية والمحاولات المعلقة بين السماء والأرض، ليغني لمن انتظره وللحظات التردد والأمل والصبر والانتظار "إنني عدت من الموت لأحيا وأغني".

في ختام خمسة وأربعين دقيقة لخصت رحلة علاجه، قال عريقات: نحن أمام مرحلة جديدة وعهد جديد، ومن يستطيع أن يعطي فليعطي، وأنا أعلن رسمياً وبالاتفاق مع أسرتي: "إذا كان أي جزء في جسدي يصلح لإنقاذ حياة أي إنسان آخر فأنا أتبرع به"، وهذه وصية أسرتي التي ستكتب بأنه في حال وفاتنا أو موتنا الدماغي، فأي جزء من جسدنا صالح، وهناك إنسان بحاجته، فنحن متبرعون به دون أي تردد".

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018