الإنجيليون في أميركا: قوّتهم السياسية ودعمُهم لإسرائيل

نقلا عن جريدة الجمهورية اللبنانية

تعتبر الولايات المتحدة دولة مسيحيّة بصورة عامة، إذ يشكل المسيحيّون فيها من مختلف المذاهب أكثر من 70% من مجموع السكان، من بينهم 46% من البروتستانت، ونحو 21% من الكاثوليك، وما يقارب 3% من مذاهب مسيحية متنوّعة.

ويُشكّل مجموع السكان الذين ينتمون الى ديانات غير مسيحية (مسلمون، ويهود، وبوذيون، وهندوس، الخ...) ما يوازي نحو 6%، أمّا الباقون أي نحو 24% من مجموع السكان فهم لا ينتمون الى أيّ ديانة.

الإنجيليون الذين كثُر الحديث عنهم في العقود الأربعة الأخيرة وعن تأثيرهم في الحياة السياسية الأميركية وعن دعمهم شبه المطلق لإسرائيل، هم مجموعة من المذاهب البروتستانتية التقليدية التي تؤمن بجوهر الإنجيل وبأنّ خلاص البشرية يأتي عبر الإيمان الصافي بالمسيح المخلّص، وهم يشكّلون أكثرَ من نصف مجموع السكان البروتستانت (نحو 26% من الأميركيّين)، بينما سائر المذاهب البروتستانتية هي من المذاهب التي تؤمن بالحداثة والتجدّد.

عندما بدأت بعض المذاهب البروتستانتية تتأثّر بأفكارٍ لتحديث العقيدة وجعلها تتماشى مع تطوّرات العصر، تمسَّك المنتمون الى مذاهب بروتستانتية أخرى بالتقاليد الدينية كما جاءت في الإنجيل وفي العهد القديم من الكتاب المقدّس فعُرفوا بالإنجيليّين.

أسَّسوا عام 1942 "الجمعية الوطنية للإنجيليين" التي بدأت تفتح المدارس في مختلف الولايات الأميركية، خصوصاً في الولايات الجنوبية والوسطى حيث لهم وجود بارز، وكانت هذه المدارس تنشر التعاليم الدينية وفقاً لأصول الدين المسيحي، ولذلك يُمكن اعتبارُهم "أصوليّين مسيحيين".

في العام 1973، وبعد انقسامات وخلافات حادّة في المجتمع الأميركي حول موضوع الإجهاض، اتّخذت المحكمة العليا قراراً يَقضي بالسماح قانونياً بالإجهاض، فتحرّك الإنجيليون بقوة لمناهضة هذا القرار الذي يتنافى مع إيمانهم المسيحي وبدأوا بتنظيم تحرّكات واتّخاذ مواقف سياسية مبنيّة على العقيدة والإيمان، وقدّموا بعد ذلك دعمَهم الكامل لترشيح الجمهوري المحافظ رونالد ريغن للرئاسة عام 1980 وجدّدوا دعمهم له عام 1984 وعزّزوا انتماءَهم الى الحزب الجمهوري وبدأ شأنهم يقوى في الحياة السياسية الأميركية منذ تلك الفترة.

وممّا ساعد في إعطائهم المزيد من القوة والتأثير في الحياة السياسية، بروز واعظين في صفوفهم ممَّن يتمتّعون بمواهب خطابية كبرى استطاعوا استعمال وسائل التواصل الحديثة نسبياً في ذلك الوقت، مثل: الراديو، والتلفزيون، لإلقاء عظاتهم الدورية التي كانت تجذب ملايين المشاهدين والمستمعين، كما تملّكوا قنواتٍ تلفزيونيةٍ ومحطاتٍ إذاعية خاصة بهم، ومن أبرزهم جيري فالويل وبات روبرتسون وبيلي غراهام الذي أصبح بمثابة المرشد الروحي لعدد من الرؤساء.

فالإنجيليون إذن يشكلون نحو ربع السكان في أميركا وهم مجموعة من المذاهب البروتستانتية «الأصولية» التي تبني عقيدتَها على الإنجيل بخلاف بقية الطوائف البروتستانتية المنفتحة على التطوّر الفكري الإيماني، وهم بأكثريّتهم ينتمون الى الحزب الجمهوري وقد ساهموا مساهمةً كبرى في إيصال الرئيس دونالد ترمب الى البيت الأبيض عبر إعطائه 81% من أصوات الإنجيليين البيض في انتخابات 2016.

جدير أيضا بالإشارة الى أنّ للإنجيليين نزعةً تبشيرية، إذ إنّ نشرَ الدين المسيحي وفق إيمانهم الإنجيلي هو أيضا من اهتماماتهم، وواجباتهم، وهذا ما يُفسّر انتقالَ العديد من المبشّرين الى العراق، بالتزامن مع الحرب التي شنّها الرئيس جورج بوش على هذا البلد عام 2003، حيث كانوا يعتزمون القيامَ بنشاطهم التبشيري.

ومن منطلق اتّباعهم الحرفي لنصوص الكتاب المقدس وإيمانهم بمندرجاته، يرى الإنجيليون في قيام دولة إسرائيل تحقيقاً للتنبّؤات الواردة في هذا الكتاب، خصوصا لجهة قرب نهاية العالم بعد أن يحتلّ اليهود القدس مجدّداً، إذ سيلي ذلك قبولُهم بتعاليم المسيح الإلهية الذي سيعود ثانيةً ليخلّص البشرية جمعاء من الخطايا.

نحو 60% من الإنجيليين يؤمنون بصدق أنّ إسرائيل أُنشئت وفقاً لما ورد في الكتاب المقدّس من تنبّؤات كما أنّهم يعتبرون أنّ هنالك علاقةً خاصة قائمة بين الله وإسرائيل.

لقد صدرت كتب دراسية عدّة حول هذه الموضوعات الدينية التي يتمّ تدريسها في الجامعات، والمدارس، التي أسَّسها أو يدعمها إنجيليون، كما أصبحت الدراسات الدينية واللاهوتية مادةً إلزامية في البرامج التعليمية لهذه المؤسسات.

إنّ دعمَ ومساعدةَ وتأييدَ إسرائيل عند قسم كبير من الإنجيليين هو بالتالي أمرٌ دينيٌّ لاهوتي قبل أن يكون موقفاً سياسياً، و82% من الإنجيليّين البيض الذين يشكّلون ثلاثة أرباع الإنجيليين يؤمنون أنّ الله قد وهب إسرائيل للشعب اليهودي ولذلك ليس من المستغرَب ان نرى قسماً ملحوظاً من الإنجيليّين الأميركيين يؤيّدون ويدعمون إسرائيل أكثر من بعض اليهود الأميركيين.

لا بد من التذكير هنا أنّ نائب الرئيس الأميركي حالياً مايك بنس الذي وُلد وترعرع في أحضان عائلة إيرلندية كاثوليكية وكان يحضر ويخدم القداس بصورة شبه يومية في صغره، غيّر مذهبه واعتنق الإنجيلية قبل أن يبلغ العشرين من العمر وأصبح من غلاة هذا المذهب لدرجة أنّ كثيرين يعتقدون أنه قد أثر تأثيراً كبيراً على ترامب لاتّخاذ قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس في السادس من كانون الأول من العام الماضي، وذلك انطلاقاً من اتّباعه الجدّي للكتاب المقدس.

فالتأييدُ لدولة إسرائيل موجودٌ عند الإنجيليين حتى قبل قيام تلك الدولة وقد ذكر نائبُ الرئيس مايك بنس العديد من الآيات والأقوال من الإنجيل والكتاب المقدس في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي أثناء زيارته لإسرائيل الشهرَ الماضي، وفي ذلك دليلٌ واضحٌ على البعد الديني الإنجيلي الموجود حالياً في البيت الأبيض.

كما أنّ غيابَ التأييد للشعب الفلسطيني وحقوقه القومية وعدم قبولهم بقيام دولة فلسطينية نابعٌ من إيمان بعض الإنجيليّين بأنّ أرضَ الميعاد للشعب اليهودي تمتدّ من نهر الأردن وصولاً الى البحر الأبيض المتوسّط بما في ذلك الضفة الغربية وأنّ هذه الأرض بكاملها قد وعد الله الشعبَ اليهودي بها.

الإسرائيليون يدركون جيدا موقفَ الإنجيليين تجاه إسرائيل والشعب اليهودي وهم يحاولون استغلالَ هذا الشعور الديني لتحقيق مكاسب سياسية لصالح إسرائيل، وقد أعرب وزير التربية الإسرائيلي نفتالي بينيت عن سروره وارتياحه للعلاقة القائمة بين الإنجيليين الأميركيين وإسرائيل، موضحاً أنّ في ذلك فرصةً لإسرائيل «علينا استغلالُها لتأمين مصالح دولتنا وأمنها».

غير أنّ استقصاءات الرأي الحديثة تشير الى أن هذا التأييد القوي لإسرائيل بدأ يضعف عند الإنجيليين الشباب الذين لم يبلغوا بعد سنّ الخامسة والثلاثين، إذ إنّ 35% من هذه الفئة ليس لها موقف إيجابي من إسرائيل، و66% منهم يرون أنّه من الضروري إيلاء الشعب الفلسطيني مزيداً من الاهتمام.

وقد لاحظ الإسرائيليون هذا المنحى الشبابي الذي قد يتطوّر وينمو، ولذلك فهم بدأوا يتوجّهون نحو دول في أميركا اللاتينية وأفريقيا حيث الوجود الإنجيلي يتطوّر ويتعزَّز بسرعة، آملين بذلك التعويض سلفاً عمّا قد يلحق بإسرائيل من نقص في التأييد عند الإنجيليين الأميركيين في حال استمرار هذا التوجّه الأميركي عند الأجيال الصاعدة.

وإذا كان الإنجيليون بمعظمهم يرون في التأييد الأميركي القوي جداً لإسرائيل والذي تجسَّد أخيراً بنقل السفارة الأميركية الى القدس، إرادةً إلهيةً تتحقَّق شيئاً فشيئاً، فإنّ السياسيين في واشنطن لا يرون في ذلك إلّا تمسّكاً من ترمب بإظهار نفسه أنّه الرئيس الوحيد الذي يَفي بوعوده الانتخابية، خلافا لما كان يفعله أسلافُه.

إلّا أنّ هذه النظرة المتباينة لا تغيّر شيئاً في الواقع الذي هو واضح للجميع، وهو أنّ الإنجيليين الأميركيّين قد أصبح لهم شأن قوي في الحياة السياسية بحيث يسعى المرشحون لمختلف المناصب الى كسب تأييدهم كما أنهم، لأسباب دينية لاهوتية بحتة، من غلاة المؤيّدين لإسرائيل التي تستغل ذلك لتحقيق مصالحها على الساحة الأميركية.

ــــــ

ha

التعليقات

هيلي المتهايلة..!!

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

صفق اجتماع مجلس الامن الدولي لخطة السلام الفلسطينية التي عرضها الرئيس ابو مازن في خطابه للمجلس، بالعناوين الواضحة، والطريق الصحيحة المستندة لقرارات الشرعية الدولية الملتزمة بها، وبما يعني ان الاجتماع صفق لصواب الرؤية الفلسطينية، ومصداقية مسعاها لتحقيق السلام العادل الممكن الذي يحقق الامن والاستقرار في الشرق الاوسط، ووحدها مندوبة الولايات المتحدة المتأسرلة على نحو مبالغ فيه، ومعها والى جانبها مندوب دولة الاحتلال الاسرائيلي، بطاقميها من ظلوا مكتوفي الايدي، ولا اسف على ذلك، بل "شكرا" لهما اذ اكدا مجددا انهما وحدهما من يقف ضد السلام وطريقه الصحيحة، بل ومن يعمل ضده لاجهاضه تماما.    

 والواقع انه لم يعد بوسع الادارة الاميركية مع مندوبتها في الامم المتحدة، ان تتوازن حتى في خطابها الذي يغالط ابسط حقائق الواقع ومعطياته، ويناهض ابسط قيم الحق والعدل والسلام، هذه "المندوبة" التي لا تناسبها تاء التأنيث لاسباب شتى يصعب حصرها هنا، تتوهم انها بالمغالطات المفضوحة يمكن لها ان تنال من صواب الرؤية الفلسطينية وخطابها السليم، وتتوهم اكثر انها بذلك تهدد الرئيس الزعيم ابو مازن حين تقول إنه "لم يعد جزءا من الحل بل اصبح مشكلة في وجه السلام". وعلى ما يبدو انها لم تنصت جيدا، كي تفهم وتتعقل، لما قاله الرئيس في خطابه "اننا نملك الشجاعة الكاملة لنقول نعم، والشجاعة الكاملة لنقول لا" وما من (لا) بالغة الشجاعة يعرفها العالم اليوم، غير التي اطلقها الرئيس الزعيم ابو مازن في وجه "صفقة القرن" التي لم تعد بعد قرار الرئيس الاميركي اعتبار القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، غير صفقة تدمير لمشروع السلام العادل بحد ذاته.

 سنقول لهيلي "المتهايلة" دوما باتجاه هاوية اليمين العنصري الاسرائيلي، إنه لا سلام في صفقة ترامب، ولا حتى ما يوحي بهذا الهدف النبيل، والرئيس الزعيم ابو مازن بقرار شعبه وارادته، هو من  يتصدى لهذه الصفقة، وسنقرأ جيدا في تهديدات هيلي ومغالطاتها، اعترافا بهذه الحقيقة، لم ترده مندوبة الولايات المتحدة، التي لا تريد ان تفهم بجهل العنصرية وحماقتها، ما قاله الرئيس الزعيم في خطابه "اننا لن نقبل ان تفرض علينا حلول من اي جهة كانت تتنافى مع الشرعية الدولية"، وما من حلول تتنافى مع هذه الشرعية اليوم غير هذه التي تريدها الولايات المتحدة.

من الواضح تماما ان مندوبة الولايات المتحدة، لم تكن في وارد  الانصات  لخطاب الحق والعدل والسلام الذي قدمه الرئيس الزعيم ابو مازن، بدلالة انها لم تتطرق لخطة السلام التي عرضها، الخطة التي لا يمكن لاحد ان يختلف معها اذا ما كان معنيا حقا بالسلام العادل، ثم ان الرئيس ابو مازن عرضها على مجلس الامن الدولي لبحثها واقرارها ولم يطرحها ليقود مفاوضات مباشرة داخل المجلس بشأنها، المفاوضات بعد اقرارها والالتزام بها  وخوضها فورا ومباشرة ودون اي تردد.

ستكلف كثيرا مغالطات الادراة الاميركية التي تهذي بها مندوبتها في الامم المتحدة، وفلسطين لا تريد ابدا غير مساعدة المجتمع الدولي وطبقا لقرارات شرعيته الدولية، حتى لا نذهب الى خيارات لا ترضي احدا، اذ لا يتبع الدم غير الدم.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018